وأما أمانته: فلأنه عندما أخبرته إن أبى يريدك لم يتبعنى في السير بل عرض على أن أسير أنا خلفه ويسير هو أمامى فإن ضل الطريق فما عليها إلا أن تقذف بحصيات نحو الطريق الصحيح حتى وصل الى البيت
فأى أمانة أفضل من هذه الأمانة فهو أمين على الأعراض، فهنا تفرست بنت شعيب في موسى القوة والأمانة لما رأت من أفعاله ما يرجح عندها هذه الفراسة، فاستدلت بما ظهر على ما خفى وهذا هو عين الفراسة.
أورد شيخ المفسرين ابن جرير الطبرى في تفسيره روايات عديدة توضح لنا جوانب من هذه القصة فيقول:"حدثنا موسى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط عن السدى قال: ذهب القبطى يعنى الذى كان يقاتل الإسرائيلى فأفشى عليه أن موسى هو الذى قتل الرجل فطلبه فرعون، وقال: خذوه إنه صاحبنا، وقال للذين يطلبونه اطلبوه في بنيان الطريق فإن موسى غلام لا يهتدى الطريق فأخذ موسى في بنيان الطريق وقد جاءه الرجل فأخبره:"إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك" [1] "
ويعرض لنا ابن كثير جانبا آخر فيقول"لما أخبره ذلك الرجل بما تمالأ عليه فرعون ودولته في أمره خرج من مصر وحده ولم يألف ذلك قبله، بل كان في رفاهية ونعمة ورياسة"فخرج منها خائفا يترقب"أى يلتفت"قال رب نجنى من القوم الظالمين"أى من فرعون وملئه فذكروا أن الله تعالى بعث إليه ملكا على فرس فأرشده إلى الطريق والله أعلم."
ولما توجه تلقاء مدين: أى أخذ طريقا سالكا مهيئا فرح بذلك"قال عسى ربى أن يهدينى سواء السبيل"أى الطريق الأقوم ففعل الله به ذلك وهداه إلى الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة فجعله هاديا مهديا ...." [2] "
ولعلنا أدركنا فطنة ابن كثير وتحريه الدقة في النقل فهو لا يسوق النصوص هكذا على عوانها كحاطب ليل، ولكن يعقب عليها بما يجلو صورتها فنراه يعقب باختصار على نزول الملك على موسى في طريقه بقوله:"فذكروا أن الله سبحانه بعث إليه ملكا على فرس في طريقه فالله أعلم"
(1) جامع البيان لابن جرير 1./49
(2) ابن كثير 3/ 5.9