فإن البنوك التجارية عادة ما تصطدم بالإجراءات الناجمة عن جمود المحاسبة الإدارية عند المشاركة في إعداد أو إنجاز مخططات تمويل المشاريع، وكذلك عند القيام بالرقابة الحقيقية لاستخدام القروض الممنوحة. أما البنك الجزائري للتنمية الذي يعتبر العمود الفقري لجهاز التخطيط المالي فقد اكتفى بالتخطيط فقط، الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل عما إذا كان تنظيم دورات تمويل الاقتصاد قد تغير حقيقة مقارنة بالنظام التمويلي المتبع خلال الخطة الثلاثية 1967/ 1969.
وفي هذا الصدد هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها وهي الإصلاحات التي تمت في سنتي 1970 و 1971 والتي وجهت الاقتصاد الوطني نحو تسيير بيروقراطي على غرار النموذج السوفياتي آنذاك، حيث نتج عن ذلك ارتفاع في تكاليف المنتجات والخدمات. هذا وأن البنوك التجارية التي تعتبر الوسيلة الأساسية للتخطيط المالي لم تتمكن من القيام بمهامها على أحسن وجه، ويعود هذا إلى التداخل في المهام وعدم وجود نصوص تحدد مهام هذه البنوك بكل دقة مثلما حددت مهام البنك الجزائري للتنمية. وبناء على ذلك فإن مشاركة البنوك التجارية في التخطيط المالي عادة ما يغلب عليها الصبغة الاستشارية مع الفقدان الكامل للصبغة الإلزامية، إذ تقوم المؤسسات الوطنية ـ بحجة الثقل الإداري في دراسة الملفات ـ بالاتصال مباشرة بمديرية البنك الجزائري للتنمية، حيث توافق هذه الأخيرة على المشروعات دون استشارة البنوك التجارية، وهو ما يمكن أن نسميه بـ"الفوضى في التنظيم". إلا أن البنوك التجارية عوضا أن تحتج على هذا الوضع، أبدت ارتياحا لذلك وذلك للتخلص من النظام المعقد الخاص بالتصريحات السنوية للبرامج وتصريحات السداد السنوية والذي لا تستطيع هياكلها اتباعه. وحتى إذا كان من الممكن تجزئة البرامج والتسديدات إلى أقساط سنوية فإنه من الصعوبة بمكان التحكم في القروض إذا كانت وتائر استخدامها تتوقف أصلا على المؤسسات الإنتاجية والخدمية. وإذا كانت مهمة البنوك التجارية الخاصة بالمشاركة الفعلية في التخطيط المالي للمشاريع الاستثمارية قد فقدت نتيجة لعوامل ذكرناها، فإن مهمتها الثانية المتعلقة بالرقابة الفعلية على القروض لم تمارس هي الأخرى نتيجة لعدم توفر الوسائل الكافية. والمقصود هنا بالرقابة الفعلية تلك الرقابة التي تتضمن الرقابة المناسبة (Controle d'opportunite) والرقابة المقيدة (Controle de conformite) حيث تعني الرقابة المناسبة تلك التي تفرض قبل انطلاق العمليات المالية التي سوف تتضمنها الخطة المالية، وهي ما نسميها كذلك بالاستشارة. أما الرقابة المقيدة فتعني الحرص على عدم توجيه الأموال إلى الأغراض غير التي خصصت لها أصلا.
إن التمييز بين الرقابة المناسبة والرقابة المقيدة قد ورثت عن النظام الفرنسي لميزانية التجهيز، وعليه فإنها تسهل العملية فقط في اقتصاد حر تسوده المنافسة الحرة، إذ تمتلك المؤسسات المصرفية الخاصة السلطة الكاملة في اتخاذ القرارات. ولهذا فإنه بالنسبة للنظام المصرفي الجزائري يبدو أنه ليس هناك هيئة مصرفية تمتلك سلطة الرقابة الكاملة الفعلية، إذ غالبا ما نلاحظ تدخل عدة هيئات في آن واحد، وهذا ما يدفعنا اليوم إلى التشكك فيما إذا كانت هناك حقيقة رقابة جدية خلال الفترة 67 ـ 77. هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فإن دور البنوك التجارية لم يتعد مرحلة الاستشارة، إذ ـ وكما ذكرنا ـ تقوم