نتائج البحث عن (صَلَاح الدين) 50 نتيجة

تاريخ: صلاح الدين
خليل بن محمد بن محمد الأقفهسي، الحافظ، المكثر.
ذكره: ابن حجر، في أول (إنباء الغمر).

صلاح الدين العمامي

تكملة معجم المؤلفين

والظاهرياتي/ديفد مارتن (ترجمة)، 1392 هـ.
- سيكولوجية الإشاعة (ترجمة)، 1399 هـ.
- الإيجابية كمعيار وحيد وأكيد لتشخيص التوافد عند الراشدين، 1404 هـ.

صلاح الدين العمامي
(1355 - 1406 هـ) (1936 - 1986 م)
المهندس الخبير في العلوم الزراعية.
ولد بالمكناسي في تونس، وزاول تعليمه الابتدائي ببلده، والثانوي بمعهد صفاقس، ثم تابع تعليمه بجامعة بوردو بفرنسا، وبالمعهد القومي للفلاحة بباريس.
وفي عام 1965 أشرف على مركز البحوث للهندسة الريفية.
له العديد من البحوث في علوم الأرض والتنمية الزراعية، وحقق كتاب "العلوم الفلاحية" لابن العوام (¬1).
¬__________
(¬1) مشاهير التونسيين ص 269 - 270.

محمد صلاح الدين = صلاح جاهين

تكملة معجم المؤلفين

محمد صدقي الجباخنجي
(1328 - 1413 هـ) (1910 - 1992 م)
فنان تشكيلي.
أسهم على مدى ستين عاماً في إثراء الحركة الفنية التشكيلية المعاصرة، أسس عام 1933 م المجمع المصري للفنون الجميلة، وأصدر في الخمسينات الميلادية مجلة "صوت الفن". وكان أستاذ تاريخ الفن بكليات التربية الفنية في مصر (¬1).

من آثاره:
ْالموجز في تاريخ الفن، الحس الجمالي، الفن والقومية العربية.

محمد صلاح الدين = صلاح جاهين
محمد صيام
(1328 - 1411 هـ) (1910 - 1991 م)
خطاط.
تعلم الخط على يد عبد القادر الشهابي خطاط فلسطين الأول، وعلى يد سيد إبراهيم - من مصر.
¬__________
(¬1) الفيصل ع 193 ص 122.

صلاح الدين عثمان هاشم

تكملة معجم المؤلفين

صلاح الدين عثمان هاشم
(1341 - 1408 هـ) (1922 - 1988 م)
مترجم، دبلوماسي، كاتب، باحث.
ولد في أم درمان بالسودان. تخرج من قسم التاريخ في جامعة القاهرة، ودرس اللغات التركية والفارسية والروسية في باريس وهامبورج وموسكو. عمل في السلك الدبلوماسي السوداني سفيراً. وكان عضواً في عدد من الجمعيات العلمية العالمية. وبالإضافة إلى إجادته اللغتين الفارسية والتركية كان يجيد من اللغات الأوروبية:
الإنجليزية والفرنسية والألمانية والروسية، ومُلمّاً بعدد من اللغات الأخرى، منها اليونانية واللاتينية والمغولية القديمة والتركية القديمة والتترية والتركمانية والسويدية.
وكان مندوباً لمجلة "الثقافة العالمية" في واشنطن (¬1).
¬__________
(¬1) الثقافة العالمية ع 42 (محرم 1409 هـ)، ص 196 - 197.

صلاح الدين وبنوه

سير أعلام النبلاء

5327- صَلاَحُ الدِّيْنِ وَبَنُوْهُ 1:
السُّلْطَانُ الكَبِيْرُ، المَلِكُ النَّاصِرُ، صلاح الدين، أبو المظفر، يوسف بن الأَمِيْرِ نَجْمِ الدِّيْنِ أَيُّوْبَ بنُ شَاذِي بنِ مَرْوَانَ بنِ يَعْقُوْبَ، الدُّوِيْنِيُّ، ثُمَّ التِّكرِيتِيُّ المَوْلِد.
وُلِدَ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَلاَثِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ إِذْ أَبُوْهُ نَجْم الدِّيْنِ مُتَوَلِّي تِكرِيتَ نِيَابَةً.
وَدُوِيْنُ: بُليدَة بِطرف أَذْرَبِيْجَان مِنْ جِهَةِ أَرَان وَالكَرَجِ، أهلهَا أَكرَادٌ هَذَبَانِيَّة.
سَمِعَ مِنْ أَبِي طَاهِرٍ السِّلَفِيِّ، وَالفَقِيْه عَلِيّ ابْن بِنْت أَبِي سَعْدٍ، وَأَبِي الطَّاهِر بن عَوْف، وَالقُطْب النَّيْسَابُوْرِيّ. وَحَدَّثَ.
وَكَانَ نُوْر الدِّيْنِ قَدْ أَمَّرَه، وَبعثَه فِي عَسْكَره مَعَ عَمّه أَسَد الدِّيْنِ شِيرْكُوْه، فَحكم شِيرْكُوْه عَلَى مِصْرَ، فَمَا لَبِثَ أَنْ تُوُفِّيَ، فَقَامَ بَعْدَهُ صَلاَح الدِّيْنِ، وَدَانت لَهُ العَسَاكِر، وَقهر بنِي عُبَيْد، وَمحَا دَوْلَتهُم، وَاسْتَوْلَى عَلَى قَصْر القَاهِرَة بِمَا حوَى مِنَ الأَمتعَة وَالنّفَائِس، مِنْهَا الْجَبَل اليَاقُوْت الَّذِي وَزنهُ سَبْعَةَ عَشَرَ دِرْهَماً؛ قَالَ مُؤلِّف الكَامِل ابْن الأَثِيْر: أنَا رَأَيْتهُ وَوزنته.
وَخلاَ القَصْر مِنْ أَهْلِهِ وَذخَائِره. وَأَقَامَ الدعوَة العَبَّاسِيَّة.
وَكَانَ خليقاً لِلإِمَارَة، مَهِيْباً، شُجَاعاً حَازِماً، مُجَاهِداً كَثِيْر الغَزْو، عَالِي الهِمَّة، كَانَتْ دَوْلَته نَيِّفاً وَعِشْرِيْنَ سَنَةً.
وَتَمَلَّكَ بَعْدَ نُوْر الدِّيْنِ، وَاتَسَعت بلاَده.
وَمنذ تسلطَنَ، طَلّق الخَمْر وَاللَّذَات، وَأَنشَأَ سوراً عَلَى القَاهِرَة وَمِصْر، وَبَعَثَ أَخَاهُ شَمْس الدِّيْنِ فِي سَنَةِ ثمان وستين، فافتتح برقة، ثم افْتَتَحَ اليَمَن، وَسَارَ صَلاَح الدِّيْنِ، فَأَخَذَ دِمَشْق مِنِ ابْن نُوْر الدِّيْنِ.
وَفِي سَنَةِ إِحْدَى وَسَبْعِيْنَ حَاصر عَزَاز، وَوَثَبَتْ عَلَيْهِ البَاطِنِيَّة، فَجرحوهُ.
وَفِي سَنَةِ ثَلاَثٍ كَسرته الفِرنْج عَلَى الرَّمْلَة، وَفَرَّ فِي جَمَاعَةٍ، وَنجَا.
وَفِي سَنَةِ خَمْس التقَاهُم وَكسرهُم.
وَفِي سَنَةِ سِتّ أَمر بِبنَاء قَلْعَة الْجَبَل.
وَفِي سَنَةِ ثَمَان عَدَّى الفُرَات، وأخذ حران، وسروج، والرقة، والرها، وسنجار،
__________
1 ترجمته في النجوم الزاهرة "6/ 3-119"، وشذرات الذهب لابن العماد "4/ 219-220".

صلاح الدين موسى، ابن مختار

سير أعلام النبلاء

صلاح الدين موسى، ابن مختار:
5748- صَلاَحُ الدِّيْنِ مُوْسَى:
وَكَانَ أَخُوْهُ الشَّيْخُ. مِنَ العُلَمَاءِ الصُّلَحَاءِ، لَهُ شِعْرٌ رَائِقٌ.
5749- ابْنُ مُخْتَارٍ 1:
الشَّيْخُ الأَمِيْرُ المُعَمَّرُ جَمَالُ المَلِكِ أَبُو الحَسَنِ علي بن مختار بن نَصْرِ بنِ طُغَانَ العَامِرِيُّ المَحَلِّيُّ ثُمَّ الإِسْكَنْدَرَانِيُّ، وَيُعْرَفُ بِابْنِ الجَمَلِ.
مَوْلِدُهُ فِي أَوَّلِ سَنَةِ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِيْنَ، بِالمحلَّةِ.
وَسَمِعَ مِنْ: أَبِي طَاهِرٍ السِّلَفِيِّ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ العُثْمَانِيِّ، وَتَفَرَّدَ بِأَجزَاءَ. وَكَانَ مِنْ أَوْلاَدِ الأُمَرَاءِ المِصْرِيِّيْنَ.
حَدَّثَ عَنْهُ: المُنْذِرِيُّ، وَابْنُ النَّجَّارِ، وَابْنُ الحُلوَانِيَّةِ، وَأَبُو الفَتْحِ مُحَمَّدُ بن أحمد بن محمد ابن الجَبَّابِ، وَأَبُو صَادِقٍ مُحَمَّدُ ابنُ الرَّشِيْدِ العَطَّارُ، وأبو القَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الدُّكَّالِيُّ سُحْنُوْنُ، وَعَبْدُ المُؤْمِنِ بنُ خَلَفٍ الحَافِظُ، وَالزَّيْنُ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ ابْن الجَبَّابِ، وَخَدِيْجَةُ بِنْتُ غَنِيْمَةَ، وَجَمَاعَةٌ، وَبِالإِجَازَةِ شَمْسُ الدِّيْنِ ابْنُ الحَظِيْرَيِّ، وَالقَاضِي الحَنْبَلِيُّ، وَابْنُ سَعْدٍ.
مَاتَ فِي ثَامِنَ عَشَرَ شَعْبَانَ، سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلاَثِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ، وَقَدْ نَيَّفَ عَلَى التِّسْعِيْنَ. لَمْ يَسْمَعْ عَلَى مِقْدَارِ سنِّهِ.
__________
1 ترجمته في النجوم الزاهرة "6/ 340"، وشذرات الذهب "5/ 189، 190".
النحوي، المفسر خليل بن كَيكَلْدي العلائي الدمشقي، الشافعي، صلاح الدين.
¬__________
* أعلام نهضة العرب في القرن العشرين (90)، الأعلام (2/ 321)، معجم المؤلفين (1/ 688).
* المعجم المختص (67)، معجم شيوخ الذهبي (180)، الوافي (13/ 410)، البداية والنهاية (14/ 280)، ذيول العبر (335) للحسيني، الرد الوافر (173)، الوفيات (2/ 226)، طبقات الشافعية للإسنوي (2/ 239)، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (3/ 121)، الدرر (2/ 179)، النجوم (10/ 337)، الوجيز (1/ 205)، الدارس (1/ 59)، ذيل تذكرة الحفاظ (360)، طبقات المفسرين للداودي (1/ 169)، الشذرات (8/ 327)، الأنس الجليل (2/ 106)، البدر الطالع (1/ 245)، معجم المؤلفين (1/ 688)، معجم المفسرين (1/ 175).

ولد: سنة (694 هـ) أربع وتسعين وستمائة.
من مشايخه: الشيخ شرف الدين الفزاري، ونجم الدين القحفازي، وزكي الدين زكري وغيرهم.
من تلامذته: ابن كثير، والسيد الحسيني وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• معجم شيوخ الذهبي: "كان من الأذكياء" أ. هـ.
• طبقات الشافعية للإسنوي: "كان ذكيًا فصيحًا كريمًا، ذا رئاسة" أ. هـ.
• الدرر الكامنة: "وذكر أن السبكي سئل من تخلف بعدك؟ فقال: العلائي، ولكنه وهم في وفاته فقال مات سنة ستين .. ".
وقال: "تفقه وناظر وله ذوق في معرفة الرجال، وذكاء وفهم وانتقى على جماعة من شيوخه وقرأ بنفسه وكتب بخطه ونظم الشعر، ودرس بأماكن ... ". أ. هـ.
• طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة: "قال الحافظ زين الدين العراقي: درس وأفتى وجمع بين العلم والدين والكرم والمروءة، ولم يخلف بعده مثله ... وجمع الأحاديث الواردة في زيارة قبر النبي - ﷺ - كتبه لشيخه برهان الدين في قضية ابن تيمية" أ. هـ.
• طبقات المفسرين للداودي: "يصنف ويفيد وينشر العلم ويحيى السنة وكان بينه وبين الحنابلة خصومات كبيرة" أ. هـ.
• الشذرات: "قال السبكي: كان حافظًا، ثبتًا، ثقة، عارفًا بأسماء الرجال والعلل والمتون فقيهًا متكلمًا، أديبًا، شاعًا، ناظمًا، متفننًا، أشعريًا، صحيح العقيدة، سُنيًا، لم يخلف بعده في الحديث مثله، لم يكن في عصره من يدانيه فيه ... " أ. هـ.
• قلت: لقد اتهم العلائي ونسب إليه أنه هو الذي نقل "النصيحة الذهبية"، وعداوته لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ولكن ذكر في "الرد الوافر" كلامه وتعظيمه لشيخ الإسلام بنعته بشيخه وسيده عند روايته عنه حيث قال: "أخبرنا شيخنا وسيدنا شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية ... وذكر أحاديث انتقاها الحافظ صلاح الدين العلائي المذكور من (جزء ابن عرفة) " أ. هـ. من الرد الوافر خلال ترجمته للعلائي.
ثم نذكر ما قاله محقق "الرد الوافر" زهير الشاويش في رده على هذا الاتهام خلال تحقيقه لترجمة الذهبي وأيضًا العلائي: قال المحقق (ص 70) في هامشه تعليقًا على ثناء ومدح الذهبي لشيخه ابن تيمية وما ينسب إليه من (النصيحة الذهبية): "ولا تصح "النصيحة الذهبية" للإمام الذهبي، وهو المدافع عن ابن تيمية طوال حيانه، وبعد مماته، والزعم بأنها بخط العلائي مردود كذلك .. وكذلك نسبتها للبرهان ابن جماعة أمر فيه نظر ... " أ. هـ.
وفاته: سنة (761 هـ)، وقيل: (760 هـ) إحدى وستين، وقيل: ستين وسبعمائة.
من مصنفاته: "النفحات القدسية" في مجلد كبير يشتمل على تفسير آيات وشرح أحاديث، و"برهان اليسير في عنوان التفسير"، و"نزهة السَّفرة في تفسير خواتيم سورة البقرة" وغير ذلك.

*صلاح الدين الأيوبى هو يوسف بن نجم الدين أيوب بن شادى، مؤسس الدولة الأيوبية.
ولد سنة 526هـ ونشأ فى بلاط «نور الدين زنكى» بالموصل وعُرف باسم «صلاح الدين»، وقضى طفولته فى ظل والده «أيوب» ببعلبك، وأخذ عنه براعته فى السياسة، وشجاعته فى الحروب، فشب خبيرًا بالسياسة وفنون الحرب، وتعلم علوم عصره وتثقف بثقافة أهل زمانه، وحفظ القرآن، ودرس الفقه والحديث.
رحل «صلاح الدين يوسف» مع والده إلى «دمشق» بعد وفاة «عماد الدين زنكى»، ثم دخل فى خدمة «نور الدين بن عماد الدين زنكى» سلطان «حلب»، فاستعان «نور الدين» بشيركوه وابن أخيه «صلاح الدين» فى ضم «مصر» إليه.
فى أواخر العصر الفاطمى قام صراع محموم بين «شاور» و «ضرغام» على منصب الوزارة، فاستنجد «شاور» بنور الدين محمود، فلبى نداءه وأرسل حملة كبيرة تحت قيادة «شيركوه» ومعه ابن أخيه «صلاح الدين»، فكان النصر حليف الحملة على «ضرغام» والصليبيين الذين استنجد بهم، وقُتل «شاور» فى المعركة، فاعتلى «أسد الدين شيركوه» كرسى الوزارة، ولكنه تُوفِّى بعد قليل، فخلفه فى المنصب ابن أخيه «صلاح الدين» سنة (565هـ) وهو فى الثانية والثلاثين من عمره.
عمل «صلاح الدين» على توطيد مركزه فى «مصر»؛ لتأسيس دولة قوية تحل محل الدولة الفاطمية التى ضعفت، وتحقق له ذلك بعد وفاة «العاضد» آخر خلفاء الدولة الفاطمية سنة (567هـ).
لم تكن الأوضاع مهيأة أمام «صلاح الدين» لإقامة دولة إسلامية يكون هو مؤسسها وسلطانها، خاصة أن العالم الإسلامى كان مفككًا وضعيفًا ويحيط به الأعداء من كل جانب، بالإضافة إلى كونه نائبًا عن «نور الدين محمود» فى «مصر» التى يطمع الصليبيون وبقايا الفاطميين فى امتلاكها والسيطرة عليها، فعمل على مواجهة هذه العقبات والقضاء عليها واحدة بعد الأخرى.
ظل «صلاح الدين» يعمل على توحيد العالم الإسلامى مدة عشر سنوات فى الفترة من سنة (572هـ) إلى سنة (582هـ)، حتى

قطع صلاح الدين الأيوبي الخطبة للخليفة الفاطمي.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

قطع صلاح الدين الأيوبي الخطبة للخليفة الفاطمي.
561 محرم - 1165 م
قام صلاح الدين الأيوبي بقطع الخطبة للخليفة الفاطمي، والدعاء للخليفة العباسي "المستضيء" على منابر مصر، معلنًا بذلك نهاية الدولة الفاطمية ومعبراً عن طاعته وولائه للخليفة العباسي.

مقاتلة أسد الدين شيركوه للفرنجة بمصر وفتح الإسكندرية واستنابة ابن أخيه صلاح الدين عليها.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

مقاتلة أسد الدين شيركوه للفرنجة بمصر وفتح الإسكندرية واستنابة ابن أخيه صلاح الدين عليها.
562 جمادى الآخرة - 1167 م
أقبلت الفرنج في جحافل كثيرة إلى الديار المصرية، وساعدهم المصريون فتصرفوا في بعض البلاد، فبلغ ذلك أسد الدين شيركوه فاستأذن الملك نور الدين في العود إليها، وكان كثير الحنق على الوزير شاور فتجهز وسار في ربيع الآخر في جيش قوي، وسير معه نور الدين جماعة من الأمراء، فلما اجتمع معه عسكره سار إلى مصر على البر، وترك بلاد الفرنج على يمينه، فوصل الديار المصرية، فقصد أطفيح، وعبر النيل عندها إلى الجانب الغربي، ونزل بالجيزة مقابل مصر، وتصرف في البلاد الغربية، وحكم عليها، وأقام نيفاً وخمسين يوماً، وكان شاور لما بلغه مجيء أسد الدين إليهم قد أرسل إلى الفرنج يستنجدهم، فأتوه على الصعب والذلول، طمعاً في ملكها وخوفاً أن يملكها أسد الدين فلما وصلوا إلى مصر عبروا إلى الجانب الغربي، وكان أسد الدين وعساكره قد ساروا إلى الصعيد، فبلغ مكاناً يعرف بالبابين، وسارت العساكر المصرية والفرنج وراءه، فأدركوه بها في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة وكان أرسل إلى المصريين والفرنج جواسيس، فعادوا إليه وأخبروه بكثرة عددهم وعدتهم، وجدهم في طلبه، فعزم على قتالهم، إلا أنه خاف من أصحابه أن تضعف نفوسهم فكلهم أشاروا عليه بعبور النيل إلى الجانب الشرقي والعود إلى الشام، فأشار أحدهم بالقتال وشجعهم عليه فقال أسد الدين: هذا الرأي، وبه أعمل؛ واجتمعت الكلمة على القتال، فأقام بمكانه حتى أدركه المصريون والفرنج وهو على تعبئة، فلما تقاتل الطائفتان حمل الفرنج على القلب، فقاتلهم من به قتالاً يسيراً، وانهزموا بين أيديهم غير متفرقين وتبعهم الفرنج، فحمل حينئذ أسد الدين فيمن معه على من تخلف عن الذين حملوا من المسلمين والفرنج الفارس والراجل، فهزمهم، ووضع السيف فيهم، فأثخن وأكثر القتل والأسر، فلما عاد الفرنج من المنهزمين رأوا عسكرهم مهزوماً، والأرض منهم قفراً، فانهزموا أيضاً، فلما انهزم الفرنج والمصريون من أسد الدين بالبابين سار إلى ثغر الإسكندرية وجبى ما في القرى على طريقه من الأموال، ووصل إلى الإسكندرية، فتسلمها بمساعدة من أهلها سلموها إليه، فاستناب بها صلاح الدين ابن أخيه وعاد إلى الصعيد فملكه وجبى أمواله وأقام به حتى صام رمضان، وأما المصريون والفرنج فإنهم عادوا واجتمعوا على القاهرة، وأصلحوا حال عساكرهم، وجمعوا وساروا إلى الإسكندرية، فحصروا صلاح الدين بها، واشتد الحصار، وقل الطعام على من بها، فصبر أهلها على ذلك، وسار أسد الدين من الصعيد إليهم، وكان شاور قد أفسد من معه من التركمان، فوصل رسل الفرنج والمصريين يطلبون الصلح، وبذلوا له خمسين ألف دينار سوى ما أخذه من البلاد، فأجابوا إلى ذلك وشرط على الفرنج أن لا يقيموا بالبلاد ولا يتملكوا منها قرية واحدة، فأجابوا إلى ذلك، واصطلحوا وعاد إلى الشام، وتسلم المصريون الإسكندرية في نصف شوال، ووصل شيركوه إلى دمشق ثامن عشر ذي القعدة، وأما الفرنج فإنهم استقر بينهم وبين المصريين أن يكون لهم بالقاهرة شحنة، وتكون أبوابها بيد فرسانهم ليمتنع نور الدين من إنفاذ عسكر إليهم، ويكون لهم من دخل مصر كل سنة مائة ألف دينار. وعاد الفرنج إلى بلادهم بالساحل الشامي، وتركوا بمصر جماعة من مشاهير فرسانهم.

ملك صلاح الدين الأيوبي مصر.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

ملك صلاح الدين الأيوبي مصر.
564 - 1168 م
لما توفي أسد الدين شيركوه كان معه صلاح الدين ابن أخيه أيوب ابن شاذي قد سار معه على كره منه للمسير، وأما كيفية ولايته، فإن جماعة من الأمراء النورية الذين كانوا بمصر طلبوا التقدم على العساكر، وولاية الوزارة العاضدية بعده، منهم عين الدولة الياروقي، وقطب الدين، وسيف الدين المشطوب الهكاري، وشهاب الدين محمود الحارمي، وهو خال صلاح الدين، وكل واحد من هؤلاء يخطبها، وقد جمع أصحابه ليغال عليها، فأرسل العاضد إلى صلاح الدين فأحضره عنده، وخلع عليه، وولاه الوزارة بعد عمه، وكان الذي حمله على ذلك أن أصحابه قالوا: ليس في الجماعة أضعف ولا أصغر سناً من يوسف، والرأي أن يولى، فإنه لا يخرج من تحت حكمنا، ثم نضع على العساكر من يستميلهم إلينا، فيصير عندنا من الجنود من نمنع بهم البلاد، ثم نأخذ يوسف أو نخرجه، فلما خلع عليه لقب الناصر لم يطعه أحد من أولئك الأمراء الذين يريدون الأمر لأنفسهم، ولا خدموه، وثبت قدم صلاح الدين، ومع هذا فهو نائب عن نور الدين، واستمال صلاح الدين قلوب الناس، وبذل الأموال، فمالوا إليه وأحبوه وضعف أمر العاضد، ثم أرسل صلاح الدين يطلب من نور الدين أن يرسل إليه إخوته وأهله، فأرسلهم إليه، وشرع عليهم طاعته والقيام بأمره ومساعدته، وكلهم فعل ذلك، وأخذت إقطاعات الأمراء المصريين فأعطاها أهله والأمراء الذين معه، وزادهم، فازدادوا له حباً وطاعة.

غزو صلاح الدين الأيوبي بلاد الفرنج وفتح إيلة.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

غزو صلاح الدين الأيوبي بلاد الفرنج وفتح إيلة.
566 ربيع الثاني - 1171 م
سار صلاح الدين أيضاً عن مصر إلى بلاد الفرنج، فأغار على أعمال عسقلان والرملة، وهجم على ربض غزة فنهبه، وأتاه ملك الفرنج في قلة من العسكر مسرعين لرده عن البلاد، فقاتلهم وهزمهم، وأفلت ملك الفرنج بعد أن أشرف أن يؤخذ أسيراً، وعاد إلى مصر، وعمل مراكب مفصلة، وحملها قطعاً على الجبال في البر، وقصد إيلة، فجمع قطع المراكب وألقاها في البحر، وحصر إيلة براً وبحراً، وفتحها في العشر الأول من ربيع الآخر، واستباح أهلها وما فيها وعاد إلى مصر.

إصلاحات صلاح الدين الأيوبي بمصر.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

إصلاحات صلاح الدين الأيوبي بمصر.
566 جمادى الآخرة - 1171 م
كان بمصر داراً للشحنة تسمى دار المعونة يحبس فيها من يريد حبسه فهدمها صلاح الدين، وبناها مدرسة للشافعية، وأزال ما كان بها من الظلم، وبنى دار العدل مدرسة للشافعية أيضاً وبنى مدرسة أخرى للمالكية، وعزل القضاة المصريين، وكانوا شيعة، وأقام قاضياً شافعياً في مصر، وولى قضاء القضاة بها لصدر الدين عبد الملك بن درباس المارداني الشافعي، فاستناب في سائر المعاملات قضاة شافعية، ومن حينئذ اشتهر مذهب الشافعي ومذهب مالك بديار مصر وتظاهر الناس بهما، واختفى مذهب الشيعة من الإمامية الإسماعيلية. وبطل من حينئذ مجلس الدعوة بالجامع الأزهر وغيره، واشترى تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين منازل العز بمصر، وبناها مدرسة للشافعية، كما أبطل صلاح الدين الأذان بحي على خير العمل محمد وعلي خير البشر، فكانت أول وصمة دخلت على الدولة الفاطمية، ثم أمر أن يذكر في الخطبة يوم الجمعة الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان ثم علي، ثم أمر أن يذكر العاضد في الخطبة بكلام يحتمل التلبيس على الشيعة، فكان الخطيب يقول: اللهم أصلح العاضد لدينك، لا غير، ثم أمر صلاح الدين بتغيير شعار الفاطميين، وأبطل ذكر العاضد من الخطبة، وكان الخطيب يدعو للإمام أبي محمد، فتخاله العامة والروافض العاضد وهو يريد أبا محمد الحسن المستضئ بأمر الله الخليفة العباسي، ثم أعلن بالعزم على إقامة الخطبة العباسية.

غضب نور الدين زنكي من صلاح الدين الأيوبي ثم الاصطلاح فيما بعد.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

غضب نور الدين زنكي من صلاح الدين الأيوبي ثم الاصطلاح فيما بعد.
567 - 1171 م
كان سببه أن صلاح الدين يوسف بن أيوب سار عن مصر في صفر إلى بلاد الفرنج غازياً ونازل حصن الشوبك، وبينه وبين الكرك يوم، وحصره، وضيق على من به من الفرنج، وأدام القتال، وطلبوا الأمان واستمهلوه عشرة أيام، فأجابهم إلى ذلك، فلما سمع نور الدين بما فعله صلاح الدين سار عن دمشق قاصداً بلاد الفرنج ليدخل إليها من جهة أخرى، فقيل لصلاح الدين: إن دخل نور الدين بلاد الفرنج وهم على هذه الحال: أنت من جانب ونور الدين من جانب، ملكها، ومتى زال الفرنج عن الطريق وأخذ ملكهم لم يبق بديار مصر مقام مع نور الدين، وإن جاء نور الدين إليك وأنت هاهنا، فلا بد لك من الاجتماع به، وحينئذ يكون هو المتحكم فيك بما شاء، إن شاء تركك وإن شاء عزلك، فقد لا تقدر على الامتناع عليه؛ والمصلحة الرجوع إلى مصر، فرحل عن الشوبك عائدا إلى مصر، ولم يأخذه من الفرنج، وكتب إلى نور الدين يعتذر باختلال الديار المصرية لأمور بلغته عن بعض شيعته العلويين، وأنهم عازمون على الوثوب بها، وأطال الاعتذار، فلم يقبلها نور الدين منه، وتغير عليه وعزم على الدخول إلى مصر وإخراجه عنها، وظهر ذلك فسمع صلاح الدين الخبر، فجمع أهله، وفيهم أبوه نجم الدين أيوب، وخاله شهاب الدين الحارمي، ومعهم سائر الأمراء، وأعلمهم ما بلغه من عزم نور الدين وحركته إليه، واستشارهم فلم يجبه أحد بكلمة واحدة، فقام تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين فقال: إذا جاءنا قاتلناه، ومنعناه عن البلاد؛ ووافقه غيره من أهلهم، فشتم نجم الدين أيوب، وأنكر ذلك، واستعظمه، وشتم تقي الدين وأقعده، وقال لصلاح الدين: أنا أبوك وهذا خالك شهاب الدين، ونحن أكثر محبة لك من جميع ما ترى، ووالله لو رأيت أنا وخالك هذا نور الدين، لم يمكننا إلا أن نقبل الأرض بين يديه، ولو أمرنا أن نضرب عنفك بالسيف لفعلنا، فإذا كنا نحن هكذا، فما ظنك بغيرنا؟ وكل من تراه عندك من الأمراء لو رأوا نور الدين وحده لم يتجاسروا على الثبات على سروجهم، وهذه البلاد له، ونحن مماليكه ونوابه بها، فإن أراد عزلك سمعنا وأطعنا؛ والرأي أن تكتب كتاباً من نجاب تقول فيه: بلغني بأنك تريد الحركة لأجل البلاد، فأي حاجة إلى هذا؟ يرسل المولى نجاباً يضع في رقبتي منديلاً ويأخذني إليك، وما هاهنا من يمنع عليك، وأقام الأمراء وغيرهم وتفرقوا على هذا، ففعل صلاح الدين ما أشار به، فترك نور الدين قصده واشتغل بغيره، فكان الأمر كما ظنه أيوب، فتوفي نور الدين ولم يقصده، وملك صلاح الدين البلاد، وكان هذا من أحسن الآراء وأجودها.

صلاح الدين الأيوبي يؤسس دولة الأيوبيين ويقضي على العبيديين (الفاطميين) في مصر.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

صلاح الدين الأيوبي يؤسس دولة الأيوبيين ويقضي على العبيديين (الفاطميين) في مصر.
567 - 1171 م
لما مات العاضد غسله ابنه داود وصلى عليه، وجلس على الشدة، واستدعى صلاح الدين ليبايعه، فامتنع، وبعث إليه: أنا نائب عن أبيك في الخلافة ولم يوص بأنك ولي عهده، وقبض عليه وعلى بقية أولاد العاضد وأقاربه ونقله هو وجميع أقاربه وأهله إلى دار المظفر من حارة برجوان ووكل عليهم وعلى جميع ذخائر القصر، وفرق بين الرجال والنساء حتى لا يحصل منهم نسل. وأغلقت القصور وتملكت الأملاك التي كانت لهم، وضربت الألواح على رباعهم وفرقت على خواص صلاح الدين كثير منها وبيع بعضها. وأعطى القصر الكبير لأمرائه فسكنوا فيه. وأسكن أباه نجم الدين أيوب في اللؤلؤة على الخليج، وصار كل من استحسن من الغز داراً أخرج صاحبها منها وسكنها، ونقلوا إلى قلعة الجبل، وهم ثلاثة وستون نفراً، فمات منهم إلى ربيع الأول سنة أربع وعشرين وستمائة ثلاثة وعشرون. وتولى وضع القيود في أرجلهم الأمير فخر الدين الطبنا أبو شعرة بن الدويك والي القاهرة.

صلاح الدين الأيوبي يمد حدود مصر حتى جنوب النوبة.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

صلاح الدين الأيوبي يمد حدود مصر حتى جنوب النوبة.
568 جمادى الأولى - 1173 م
سار شمس الدولة توارنشاه بن أيوب أخو صلاح الدين الأكبر من مصر إلى بلد النوبة، فوصل إلى أول بلادهم ليتغلب عليه ويتملكه، وكان سبب ذلك أن صلاح الدين وأهله كانوا يعلمون أن نور الدين كان على عزم الدخول إلى مصر وأخذها منهم، فاستقر الرأي بينهم أنهم يتملكون إما بلاد النوبة أو بلاد اليمن، حتى إذا وصل إليهم نور الدين لقوه وصدوه عن البلاد، فإن قووا على منعه أقاموا بمصر، وإن عجزوا عن ذلك ركبوا البحر ولحقوا بالبلاد التي افتتحوها؛ فجهز شمس الدولة وسار إلى أسوان؛ ومنها إلى بلد النوبة، فنازل قلعة اسمها أبريم، فحصرها، وقاتله أهلها، فلم يكن لهم بقتال العسكر الإسلامي قوة، لأنهم ليس لهم جنة تقيهم السهام وغيرها من آلة الحرب، فسلموها، فملكها وأقام فيها، ولم ير للبلاد دخلاً يرغب فيه وتحتمل المشقة لأجله، وقوتهم الذرة، فلما رأى عدم الحاصل، وقشف العيش مع مباشرة الحروب ومعاناة التعب والمشقة، وتركها وعاد إلى مصر بما غنم، وكان عامة غنيمتهم العبيد والجواري.

رحيل صلاح الدين الأيوبي عن مصر إلى الكرك وعوده عنها.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

رحيل صلاح الدين الأيوبي عن مصر إلى الكرك وعوده عنها.
568 شوال - 1173 م
رحل صلاح الدين يوسف بن أيوب من مصر بعساكره جميعها إلى بلاد الفرنج يريد حصر الكرك، والاجتماع مع نور الدين عليهن والاتفاق على قصد بلاد الفرنج من جهتين كل واحد منهما في جهة بعسكره، وسبب ذلك أن نور الدين لما أنكر على صلاح الدين عوده من بلاد الفرنج في العام الماضي، وأراد نور الدين قصد مصر وأخذها منه، أرسل يعتذر، ويعد من نفسه بالحركة على ما يقرره نور الدين، فاستقرت القاعدة بينهما أن صلاح الدين يخرج من مصر ونور الدين يسير من دمشق، فأيهما سبق صاحبه يقيم إلى أن يصل الآخر إليه، وتواعدا على يوم معلوم يكون فيه وصولهما؛ فسار صلاح الدين عن مصر لأن طريقه أصعب وأبعد وأشق، ووصل إلى الكرك وحصره، وأما نور الدين فإنه لما وصل إليه كتاب صلاح الدين برحيله من مصر فرق الأموال، وحصل الأزواد وما يحتاج إليه، وسار إلى الكرك فوصل إلى الرقيم، وبينه وبين الكرك مرحلتان. فلما سمع صلاح الدين بقربه خافه هو وجميع أهله، واتفق رأيهم على العود إلى مصر، وترك الاجتماع بنور الدين، لأنهم علموا أنه إن اجتمعا كان عزله على نور الدين سهلاً. فلما عاد أرسل الفقيه عيسى إلى نور الدين يعتذر عن رحيله بأنه كان قد استخلف أباه نجم الدين أيوب على ديار مصر، وأنه مريض شديد المرض، ويخاف أن يحدث عليه حادث الموت فتخرج البلاد عن أيديهم، وأرسل معه من التحف والهدايا ما يجل عن الوصف؛ فجاء الرسول إلى نور الدين وأعلمه ذلك فعظم عليه وعلم المراد من العود، إلا أنه لم يظهر للرسول تأثراً بل قال له: حفظ مصر أهم عندنا من غيرنا، وسار صلاح الدين إلى مصر فوجد أباه قد قضى نحبه.

صلاح الدين الأيوبي يمد النفوذ الأيوبي إلى اليمن ونهاية دولة بني مهدي وبني زريع فيها.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

صلاح الدين الأيوبي يمد النفوذ الأيوبي إلى اليمن ونهاية دولة بني مهدي وبني زريع فيها.
569 - 1173 م
لما عاد صلاح الدين إلى مصر استأذن نور الدين في أن يسير إلى اليمن لقصد عبد النبي، صاحب زبيد لأجل قطع الخطبة العباسية، فأذن في ذلك، فشرع يتجهز ويعد الأزواد والروايا والسلاح وغيره من الآلات، وجند الأجناد، فجمع وحشد، وسار عن مصر مستهل رجب، فوصل إلى مكة، أعزها الله تعالى، ومنها إلى زبيد، وفيها صاحبها المتغلب عليها المعروف بعبد النبي، فلما قرب منها رآه أهلها، فاستقلوا من معه، فقاتلهم شمس الدولة ومن معه، فلم يثبت أهل زبيد وانهزموا، ووصل المصريون إلى سور زبيد، فلم يجدوا عليه من يمنعهم، فنصبوا السلالم، وصعدوا السور، فملكوا البلد عنوة ونهبوه وأكثروا النهب، وأخذوا عبد النبي أسيراً وزوجته المدعوة بالحرة، وسلم شمس الدولة عبد النبي إلى بعض أمراءه، يقال له سيف الدولة مبارك بن كامل من بني منقذ، أصحاب شيزر، وأمره أن يستخرج منه الأموال، وبذلك انتهت الدولة المهدية باليمن، ولما ملكوا زبيد واستقر الأمر لهم بها، ودان أهلها، وأقيمت فيها الخطبة العباسية، أصلحوا حالها، وساروا إلى عدن، وصاحبها ياسر، فسار إليهم وقاتلهم، فانهزم ياسر ومن معه، وسبقهم بعض عسكر شمس الدولة، فدخلوا البلد قبل أهله، فملكوه، وأخذوا صاحبه ياسر أسيراً، وأرادوا نهب البلد، فمنعهم شمس الدولة، وقال: ما جئنا لنخرب البلاد، وإنما جئنا لنملكها ونعمرها وننتفع بدخلها؛ فلم ينهب منها أحد شيئاً، فبقيت على حالها وثبت ملكه واستقر أمره، وبذلك انتهت دولة بني زريع فيها، ولما فرغ شمس الدولة من أمر عدن عاد إلى زبيد، وملك أيضاً قلعة التعكر والجند وغيرها من المعاقل والحصون، واستناب بعدن عز الدين عثمان بن الزنجيلي، وبزبيد سيف الدولة مبارك ابن منقذ، وجعل في كل قلعة نائباً من أصحابه، وألقى ملكهم باليمن جرانه ودام، وأحسن شمس الدولة إلى أهالي البلاد، واستصفى طاعتهم بالعدل والإحسان، وعادت زبيد إلى أحسن أحوالها من العمارة والأمن.

إفشال محاولة اغتيال صلاح الدين الأيوبي.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

إفشال محاولة اغتيال صلاح الدين الأيوبي.
569 رمضان - 1174 م
ثاني رمضان، صلب صلاح الدين يوسف بن أيوب جماعة ممن أرادوا الوثوب به من أصحاب الخلفاء العلويين، وسبب ذلك أن جماعة من شيعة العلويين منهم عمارة بن أبي الحسن اليمني الشاعر، وعبد الصمد الكاتب، والقاضي العويرس، وداعي الدعاة، وغيرهم من جند المصريين ورجالتهم السودان، وحاشية القصر، ووافقهم جماعة من أمراء صلاح الدين وجنده، واتفق رأيهم على استدعاء الفرنج من صقلية، ومن ساحل الشام إلى ديار مصر على شيء بذلوه لهم من المال والبلاد، فإذا قصدوا البلاد، فإن خرج صلاح الدين إليهم بنفسه ثاروا هم بالقاهرة ومصر وأعادوا الدولة العلوية، وعاد من معه من العسكر الذين وافقوهم عنه، فلا يبقى له مقام مقابل الفرنج، وإن كان صلاح الدين يقيم ويرسل العساكر إليهم ثاروا به، وأخذوه أخذاً باليد لعدم وجود الناصر له والمساعد، وأرسلوا إلى الفرنج بصقلية والساحل في ذلك، وتقررت القاعدة بينهم، ولم يبق إلا رحيل الفرنج، وكان من لطف الله بالمسلمين أن الجماعة المصريين أدخلوا معهم في هذا الأمر الأمير زين الدين علي بن نجا الواعظ، المعروف بابن نجية، ورتبوا الخليفة والوزير والحاجب والداعي والقاضي، إلا أن بني رزيك قالوا: يكون الوزير منا؛ وبني شاور قالوا: يكون الوزير منا؛ فلما علم ابن نجا الحال حضر عند صلاح الدين، وأعلمه حقيقة الأمر، فأمر بملازمتهم، ومخالطتهم، ومواطأتهم على ما يريدون أن يفعلوه، وتعريفه ما يتجدد أولاً بأول، ففعل ذلك وصار يطالعه بكل ما عزموا عليه، ثم وصل رسول من ملك الفرنج بالساحل الشامي إلى صلاح الدين بهدية ورسالة، وهو في الظاهر إليه، والباطن إلى أولئك الجماعة، وكان يرسل إليهم بعض النصارى وتأتيه رسلهم، فأتى الخبر إلى صلاح الدين من بلاد الفرنج بجلية الحال، فوضع صلاح الدين على الرسول بعض من يثق به من النصارى، وداخله، فأخبره الرسول بالخبر على حقيقته، فقبض حينئذ على المقدمين في هذه الحادثة منهم: عمارة وعبد الصمد والعويرس وغيرهم وصلبهم.

صلاح الدين الأيوبي يستولي على دمشق.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

صلاح الدين الأيوبي يستولي على دمشق.
570 ربيع الأول - 1174 م
سلخ ربيع الأول، ملك صلاح الدين يوسف بن أيوب مدينة دمشق، وسبب ذلك أن نور الدين لما مات وملك ابنه الملك الصالح بعده كان بدمشق، ولما استولى سيف الدين على البلاد الجزرية خاف ابن الداية أن يغير إلى حلب فيملكها، فأرسل سعد الدين إلى دمشق ليحضر الملك الصالح ومعه العساكر إلى حلب، فلما وصلوا إليها قبض سعد الدين على شمس الدين بن الداية وأخوته، وعلى ابن الخشاب رئيس حلب ومقدم الأحداث فيها، واستبد سعد الدين بتدبير الملك الصالح، فخافه ابن المقدم وغيره من الأمراء الذين بدمشق وكاتبوا سيف الدين غازي صاحب الموصل ليعبر الفرات إليهم ليسلموا إليه دمشق فامتنع عن قصد دمشق، وراسل سعد الدين الملك الصالح وصالحهما على ما أخذه من البلاد، فلما امتنع عن العبور إلى دمشق عظم خوفهم، وقالوا: حيث صالحهم سيف الدين لم يبق لهم مانع عن المسير إلينا؛ فكاتبوا حينئذ صلاح الدين يوسف بن أيوب، صاحب مصر، واستدعوه ليملكوه عليهم، فلما وصلت الرسل إلى صلاح الدين بذلك لم يلبث، وسار جريدة في سبع مائة فارس والفرنج في طريقه، فلم يبال بهم، ثم سار صلاح الدين إلى دمشق فخرج كل من بها من العسكر إليه، فلقوه وخدموه، ودخل البلد، ونزل في دار والده المعروفة بدار العقيقي، وكانت القلعة بيد خادم اسمه ريحان، فأحضر صلاح الدين كمال الدين بن الشهرزوري وهو قاضي البلد والحاكم في جميع أموره من الديوان والوقف وغير ذلك، وأرسله إلى ريحان ليسلم القلعة إليه، وقال: أنا مملوك الملك الصالح، وما جئت إلا لأنصره وأخدمه، وأعيد البلاد التي أخذت منه إليه؛ وكان يخطب له في بلاده كلها، فصعد كمال الدين إلى ريحان، ولم يزل معه حتى سلم القلعة، فصعد صلاح الدين إليها، وأخذ ما فيها من الأموال، وأخرجها واتسع بها وثبت قدمه، وقويت نفسه، وهو مع هذا يظهر الطاعة للملك الصالح، ويخاطبه بالمملوك، والخطبة والسكة باسمه.

ملك صلاح الدين الأيوبي لحمص وحماة.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

ملك صلاح الدين الأيوبي لحمص وحماة.
570 جمادى الأولى - 1174 م
لما استقر ملك صلاح الدين لدمشق، وقرر أمرها، استخلف بها أخاه سيف الإسلام طغدكين بن أيوب، وسار إلى مدينة حمص مستهل جمادى الأولى، وكانت حمص وحماة وقلعة بعين وسلمية وتل خالد والرها من بلد الجزيرة في أقطاع الأمير فخر الدين مسعود الزعفراني، فلما مات نور الدين لم يمكنه المقام بها لسوء سيرته في أهلها، ولم يكن له في قلاع هذه البلاد حكم إنما فيها ولاة لنور الدين. وكان بقلعة حمص وال يحفظها، فلما نزل صلاح الدين على حمص، حادي عشر الشهر المذكور، راسل من فيها بالتسليم، فامتنعوا، فقاتلهم من الغد، فملك البلد وأمن أهله، وامتنعت عليه القلعة وبقيت ممتنعة إلى أن عاد من حلب، وترك بمدينة حمص من يحفظها، ويمنع من بالقلعة من التصرف، وأن تصعد إليهم ميرة، وسار إلى مدينة حماة، وهو في جميع أحواله لا يظهر إلا طاعة الملك الصالح بن نور الدين، فلما وصل إلى حماة ملك المدينة مستهل جمادى الآخرة، وكان بقلعتها الأمير عز الدين جورديك، وهو من المماليك النورية، فامتنع من التسليم إلى صلاح الدين، فأرسل إليه صلاح الدين ما يعرفه ما هو عليه من طاعة الملك الصالح، وإنما يريد حفظ بلاده عليه، فاستحلفه جورديك على ذلك فحلف له وسيره إلى حلب في اجتماع الكلمة على طاعة الملك الصالح، وفي إطلاق شمس الدين علي وحسن وعثمان أولاد الداية من السجن، فسار جورديك إلى حلب، واستخلف بقلعة حماة أخاه ليحفظها، فلما وصل جورديك إلى حلب قبض عليه كمشتكين وسجنه، فلما علم أخوه بذلك سلم القلعة إلى صلاح الدين فملكها، ولما ملك صلاح الدين حماة سار إلى حلب فحصرها ثالث جمادى الآخرة، فقاتله أهلها، وركب الملك الصالح، وهو صبي عمره اثنتا عشر سنة، وجمع أهل حلب واتفقوا على القتال دونه، والمنع عن بلده، وجدوا في القتال، وأرسل سعد الدين كمشتكين إلى سنان مقدم الإسماعيلية، وبذل له أموالاً كثيرة ليقتلوا صلاح الدين، فأرسلوا جماعة منهم إلى عسكره، فحمل أحدهم على صلاح الدين ليقتله، فقتل دونه، وقاتل الباقون من الإسماعيلية، فقتلوا جماعة ثم قتلوا، وبقي صلاح الدين محاصراً لحلب إلى سلخ جمادى الآخرة، ورحل عنها مستهل رجب وسبب ذلك هو مسير الفرنج إلى حمص وتجهزهم لقصدها فسمع صلاح الدين الخبر فرحل عن حلب، فوصل إلى حماة ثامن رجب، بعد نزول الفرنج على حمص بيوم، ثم رحل إلى الرستن، فلما سمع الفرنج بقربه رحلوا عن حمص، ووصل صلاح الدين إليها، فحصر القلعة إلى أن ملكها في الحادي والعشرين من شعبان، فصار أكثر الشام بيده، ولما ملك حمص سار منها إلى بعلبك، وبها خادم اسمه يمن، وهو وال عليها من أيام نور الدين، فحصرها صلاح الدين، فأرسل يمن يطلب الأمان له ولمن عنده، فأمنهم صلاح الدين، وسلم القلعة رابع شهر رمضان.

ملك صلاح الدين الأيوبي قلعة بعرين من الشام.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

ملك صلاح الدين الأيوبي قلعة بعرين من الشام.
570 شوال - 1175 م
في العشر الأول من شوال، ملك صلاح الدين قلعة بعرين من الشام، وكان صاحبها فخر الدين مسعود بن الزعفراني، وهو من أكابر الأمراء النورية، فلما رأى قوة صلاح الدين نزل منها، واتصل بصلاح الدين، ظن أنه يكرمه ويشاركه في ملكه، ولا ينفرد عنه بأمر مثل ما كان مع نور الدين، فلم ير من ذلك شيئاً، ففارقه، ولم يكن بقي من أقطاعه الذي كان له في الأيام النورية غير بعرين ونائبه بها، فلما صالح صلاح الدين الملك الصالح بحلب، عاد إلى حماة وسار منها إلى بعرين، وهي قريبة منها، فحصرها ونصب عليها المجانيق، وأدام قتالها، فسلمها واليها بالأمان، فلما ملكها عاد إلى حماة، فأقطعها خاله شهاب الدين محمود بن تكش الحارمي، وأقطع حمص ناصر الدين محمد ابن عمه شيركوه، وسار منها إلى دمشق فدخلها أواخر شوال.

القتال بين صلاح الدين الأيوبي والحلبيين.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

القتال بين صلاح الدين الأيوبي والحلبيين.
571 شوال - 1176 م
تجهز الحلبيون لقتال صلاح الدين، فاستدعى عساكر مصر، فلما وافته بدمشق في شعبان سار في أول رمضان، فلقيهم في عاشر شوال، وكانت بينهما وقعة تأخر فيها السلطان سيف الدين غازي صاحب الموصل، فظن الناس أنها هزيمة، فولت عساكرهم، وتبعهم صلاح الدين، فهلك منهم جماعة كثيرة، وملك خيمة غازي، وأسر عالما عظيما، واحتوى على أموال وذخائر وفرش وأطعمة وتحف تجل عن الوصف، وقدم عليه أخوه الملك المعظم شمس الدولة تورانشاه بن أيوب من اليمن، فأعطاه سرادق السلطان غازي بما فيه من الفرش والآلات، وفرق الإسطبلات والخزائن على من معه، وخلع على الأسرى وأطلقهم، ولحق سيف الدين غازي بمن معه، فالتجأوا جميعا لحلب، ثم سار إلى الموصل وهو لا يصدق أنه ينجو، وظن أن صلاح الدين يعبر الفرات ويقصده بالموصل، ورحل صلاح الدين ونزل على حلب في رابع عشر شوال، فأقام عليها إلى تاسع عشره، ورحل إلى بزاعة، وقاتل أهل الحصن حتى تسلمه، وسار إلى منبج، فنزل عليها يوم الخميس رابع عشر منه.

ملك صلاح الدين الأيوبي لمنبج ومحاولة اغتياله من قبل الإسماعيلية.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

ملك صلاح الدين الأيوبي لمنبج ومحاولة اغتياله من قبل الإسماعيلية.
571 ذو القعدة - 1176 م
سار صلاح الدين إلى بزاعة فحصرها، وقاتله من بالقلعة، ثم تسلمها وجعل بها من يحفظها، وسار إلى مدينة منبج فحصرها آخر شوال، وبها صاحب قطب الدين ينال بن حسان المنبجي، وكان شديد العداوة لصلاح الدين والتحريض عليه، والإطماع فيه، والطعن فيه، فصلاح الدين حنق عليه متهدد له، فأما المدينة فملكها، ولم تمتنع عليه، وبقي القلعة وبها صاحبها قد جمع إليها الرجال والذخائر والسلاح، فحصره صلاح الدين وضيق عليه وزحف إلى القلعة، فوصل النقابون إلى السور فنقبوها وملكوها عنوة، وغنم العسكر الصلاحي كل ما بها، وأخذ صاحبها ينال أسيراً، فأخذ صلاح الدين كل ماله ثم أطلقه صلاح الدين فسار إلى الموصل، فأقطعه سيف الدين غازي مدينة الرقة، ولما فرغ صلاح الدين من منبج سار إلى قلعة إعزاز، فنازلها ثالث ذي القعدة، وهي من أحصن القلاع وأمنعها، فنازلها وحصرها، وأحاط بها وضيق على من فيها ونصب عليها المجانيق، وقتل عليها كثير من العسكر؛ فبينما صلاح الدين يوماً في خيمة لبعض أمراءه يقال له جاولي، وهو مقدم الطائفة الأسدية، إذ وثب عليه باطني إسماعيلي فضربه بسكين في رأسه فجرحه، فلولا أن المغفر الزند كانت تحت القلنسوة لقتله، فبقي الباطني يضربه في رقبته بالسكين، وكان عليه كزاغند فكانت الضربات تقع في زيق الكزاغند فتقطعه، والزرد يمنعها من الوصول إلى رقبته فجاء أمير من أمراءه اسمه يازكش، فأمسك السكين بكفه فجرحه الباطني، ولم يطلقها من يده إلى أن قتل الباطني، وجاء آخر من الإسماعيلية فقتل أيضاً، وثالث فقتل، ثم لازم حصار إعزاز ثمانية وثلاثين يوماً، كل يوم أشد قتالاً مما قبله، وكثرت النقوب فيها فأذعن من بها، وسلموا القلعة عليه، فتسلمها حادي عشر ذي الحجة.

حصر صلاح الدين الأيوبي مدينة حلب.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

حصر صلاح الدين الأيوبي مدينة حلب.
571 ذو الحجة - 1176 م
لما ملك صلاح الدين إعزاز رحل إلى حلب فنازلها منتصف ذي الحجة وحصرها، وبها الملك الصالح ومن معه من العساكر، وقد قام العامة في حفظ البلد القيام المرضي، بحيث أنهم منعوا صلاح الدين من القرب من البلد، لأنه كان إذا تقدم للقتال خسر هو وأصحابه، كثر الجراح فيهم والقتل، كانوا يخرجون ويقاتلونه خارج البلد، فترك القتال وأخلد للمطاولة، وانقضت سنة إحدى وسبعين ودخلت سنة اثنتين وسبعين، وهو محاصر لها، ثم ترددت الرسل بينهم في الصلح في العشرين من المحرم، فوقعت الإجابة إليه من الجانبين، لأن أهل حلب خافوا من طول الحصار، فإنهم ربما ضعفوا، وصلاح الدين رأى أنه لا يقدر على الدنو من البلد، ولا على قتال من به، فأجاب أيضاً، وتقررت القاعدة في الصلح للجميع، للملك الصالح، ولسيف الدين صاحب الموصل، ولصاحب الحصن، ولصاحب ماردين، وتحالفوا واستقرت القاعدة أن يكونوا كلهم عوناً على الناكث الغادر، فلما انفصل الأمر وتم الصلح رحل صلاح الدين عن حلب، بعد أن أعاد قلعة إعزاز إلى الملك الصالح، ورحل إلى بلد الإسماعيلية.

صلاح الدين الأيوبي يبني سورا ضخما لحماية القاهرة.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

صلاح الدين الأيوبي يبني سورا ضخما لحماية القاهرة.
572 - 1176 م
أمر السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي ببناء السور على القاهرة والقلعة، ودوره تسعة وعشرون ألف فراع وثلاثمائة وذراعان بالذراع الهاشمي، فتولى ذلك الأمير بهاء الدين قراقوش الأسدي، وشرع في بناء القلعة، وحفر حول السور خندقا عميقا، وحفر واديه وضيق طريقه، وكان في مكان القلعة عدة مساجد منها مسجد سعد الدولة، فدخلت في جملة القلعة، وحفر فيها بئرا ينزل إليها بدرج منحوتة في الحجر إلى الماء.

بناء مدرسة صلاح الدين الأيوبي.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

بناء مدرسة صلاح الدين الأيوبي.
572 - 1176 م
أمر الناصر ببناء مدرسة صلاح الدين للشافعية على قبر الشافعي، وجعل الشيخ نجم الدين الخبوشاني مدرسها وناظرها.

مسير صلاح الدين الأيوبي إلى بلد الإسماعيلية.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

مسير صلاح الدين الأيوبي إلى بلد الإسماعيلية.
572 محرم - 1176 م
لما رحل صلاح الدين من حلب، قصد بلاد الإسماعيلية في مصياب، ليقاتلهم بما فعلوه من الوثوب عليه وإرادة قتله، فنهب بلدهم وخربه وأحرقه، وحصر قلعة مصياب، وهي أعظم حصونهم، وأحصن قلاعهم، فنصب عليها المجانيق، وضيق على من بها، ولم يزل كذلك، فأرسل سنان مقدم الإسماعيلية إلى شهاب الدين الحارمي، صاحب حماة، وهو ابن خال صلاح الدين، يسأله أن يدخل بينهم ويصلح الحال ويشفع فيهم، ويقول له: إن لم تفعل قتلناك وجميع أهل صلاح الدين وأمراءه، فحضر شهاب الدين عند صلاح الدين وشفع فيهم وسأل الصفح عنهم، فأجابه إلى ذلك، وصالحهم، ورحل عنهم، وكان عسكره قد ملوا من طول البيكار، وقد امتلأت أيديهم من غنائم عسكر الموصل، ونهب بلد الإسماعيلية، فطلبوا العود إلى بلادهم للراحة، فأذن لهم، وسار هو إلى مصر مع عسكرها، لأنه قد طال بعده عنها، ولم يمكنه المضي إليها فيما تقدم خوفاً على بلاد الشام؛ فلما انهزم سيف الدين، وحصر هو حلب، وملك بلادها، واصطلحوا، أمنا على البلاد، فسار إلى مصر.

صلاح الدين الأيوبي يستولي على الموصل.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

صلاح الدين الأيوبي يستولي على الموصل.
572 صفر - 1176 م
انفرط عقد الدولة النورية، وكان صلاح الدين في مصر يراقب ما يحدث في الشام عن كثب، وينتظر الفرصة المواتية لتوحيد الجبهة الإسلامية، ولم يطل انتظاره حيث جاءته دعوة من أمراء دمشق لتسلّمها، فهب إليها على الفور، واستقبله أهلها استقبالا حسنا، وتسلم المدينة وقلعتها في سنة (570هـ = 1174م) ثم اتجه إلى حمص فاستولى عليها، ثم عرج على حماة فضمها أيضا إلى دولته، وأصبح على مشارف حلب نفسها، وحاول أن يفتحها لكنها استعصت عليه، بعد أن استنجد قادتها بالصليبيين؛ فتركها وفي أعماقه أنه سيأتي إليها مرة أخرى، ولكن تأخرت عودته ثماني سنوات، حتى تمكن من فتحها وضمها في (18 من صفر 579هـ = 12 من يونيه 1183م) وكان استيلاء صلاح الدين على حلب وما حولها خطوة هائلة في بناء الجبهة الإسلامية المتحدة، التي امتدت تحت زعامته من جبال طوروس شمالا حتى بلاد النوبة جنوبا. لم يعد أمام صلاح الدين لاستكمال الوحدة سوى مدينة الموصل، فحاصرها أكثر من مرة، إلى أن تم الصلح، بعد أن سعى إليه والي الموصل عز الدين مسعود، قبل أن يكون تابعا لصلاح الدين، واتفق على ذلك في صفر سنة (582هـ = 1186م).

انهزام صلاح الدين الأيوبي في الرملة.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

انهزام صلاح الدين الأيوبي في الرملة.
573 جمادى الأولى - 1177 م
أواخر جمادى الأولى، سار صلاح الدين يوسف بن أيوب من مصر إلى ساحل الشام لقصد بلاد الفرنج، وجمع معه عساكر كثيرة وجنوداً غزيرة، فلم يزالوا يجدون السير حتى وصلوا عسقلان في الرابع والعشرين منه، فنهبوا وأسروا وقتلوا وأحرقوا وتفرقوا في تلك الأعمال مغيرين، فلما رأوا أن الفرنج لم يظهر لهم عسكر ولا اجتمع لهم من يحمي البلاد من المسلمين، طمعوا، وانبسطوا، وساروا في الأرض آمنين مطمئنين، ووصل صلاح الدين إلى الرملة، عازماً على أن يقصد بعض حصونهم ليحصره، فوصل إلى نهر، فازدحم الناس للعبور، فلم يرعهم إلا والفرنج أشرفت عليهم بأبطالها وطلابها، وكان مع صلاح الدين بعض العسكر، لأن أكثرهم تفرقوا في طلب الغنيمة، فلما رآهم وقف لهم فيمن معه، وتقدم بين يديه تقي الدين عمر بن محمد ابن أخي صلاح الدين، فباشر القتال بنفسه بين يدي عمه، فقتل من أصحابه جماعة، وكذلك الفرنج، وتمت الهزيمة على المسلمين، وحمل بعض الفرنج على صلاح الدين فقاربه حتى كاد أن يصل إليه فقتل الفرنجي بين يديه، وتكاثر الفرنج عليه فمضى منهزماً، يسير قليلاً ويقف ليلحقه العسكر إلى أن دخل الليل، فسلك البرية إلى أن مضى في نفر يسير إلى مصر، ولقوا في طريقهم مشقة شديدة وقل عليهم القوت والماء، وهلك كثير من دواب العسكر جوعاً وعطشاً وسرعة سير، وأما العسكر الذين كانوا دخلوا بلاد الفرنج في الغارة، فإن أكثرهم ذهب ما بين قتيل وأسير، ووصل صلاح الدين إلى القاهرة نصف جمادى الآخرة.

عصيان ابن المقدم على صلاح الدين الأيوبي وحصر بعلبك وأخذ البلد منه.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

عصيان ابن المقدم على صلاح الدين الأيوبي وحصر بعلبك وأخذ البلد منه.
574 - 1178 م
عصى شمس الدين محمد بن عبد الملك المقدم على صلاح الدين ببعلبك، وكانت له قد سلمها إليه صلاح الدين لما فتحها جزاء له حيث سلم إليه ابن المقدم دمشق، فلم تزل بيده إلى الآن، فطلب شمس الدولة بن أيوب أخو صلاح الدين منه بعلبك، وألح عليه في طلبها، فلم يتمكن صلاح الدين من مخالفته، فأمر شمس الدين بتسليمها إلى أخيه ليعوضه عنها، فلم يجب إلى ذلك، وذكره العهود التي له، وما اعتمده معه من تسليم البلاد، فلم يصغ إليه ولج عليه في أخذها، وسار ابن المقدم إليها، واعتصم بها، فتوجه إليه صلاح الدين، وحصره بها مدة، ثم رحل عنها من غير أن يأخذها، وترك عليه عسكرا يحصره، فلما طال عليه الحصار أرسل إلى صلاح الدين يطلب العوض عنها ليسلمها إليه، فعوضه عنها وسلمها، فأقطعها صلاح الدين أخاه شمس الدولة.

وقعة مرج عيون بين الفرنجة والسلطان صلاح الدين الناصر.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

وقعة مرج عيون بين الفرنجة والسلطان صلاح الدين الناصر.
575 ربيع الأول - 1179 م
سار السّلطان صلاح الدّين من عكا إلى دمشق فدخلها في صفر، توجَّه إلى شَقِيف أرنُون فأقام بمرج برغوث أياماً، ثم أتى مرج عيون، فنزل أرناط صاحب الشقيف وحيداً إلى خدمة السّلطان فخلع عليه واحترمه، وكان من أكبر الفرنج وكان يعرف العربية، وله معرفة بالتواريخ، فسلم الحصن من غير تعب وقال: لا أقدر أُساكن الفرنج، والتمس المُقام بدمشق، ثم بدا منه غدر فقبض عليه وحبسه بدمشق، ووكل بالحصن من يحاصره. ثم بلغ إلى السّلطان أن الفرنج قد جمعوا وحشدوا وجيشوا من مدينة صور، وساروا لحصار صيدا وعكا ليستردوها، فسار إليهم فالتقاهم، فظهر الفرنج وقُتل في سبيل الله طائفة. ثم كرّ المسلمون عليهم فردوهم حتى ازدحموا على جسرٍ هناك، فغرق مائتا نفس. ثم سار السّلطان إلى تبنين فرتب أمورها، وسار إلى عكا فأشرف عليها، وقرر بها أميرين: سيف الدّين عليّ المشطوب الكردي، وبهاء الدّين قراقوش الخادم الأبيض، وعاد فلم يلبث أن نازلت الفرنج عكا، وجاءت من البرّ والبحر، فسار السّلطان حتى نزل قبالتهم وحاربهم مراتٍ عديدة، وطال القتال عليهم، واشتد البلاء، وقتل خلقٌ من الفرنج والمسلمين إلى أن دخلت السنة الآتية والأمر كذلك. وقيل: سار إلى دمشق فأقام بها ثم خرج إلى شقيف - وهي في موضع حصين - فخيم في مرج عيون بالقرب منه، وأقام أياماً يباشر قتاله - والعساكر تتواصل إليه - فلما تحقق صاحب شقيف أنه لا طاقة له به نزل إليه بنفسه، فلم يشعر به إلا وهو قائم على باب خيمته، فأذن له في دخوله إليه، وأكرمه واحترمه، وكان من أكابر الفرنج وعقلائهم، وكان يعرف بالعربية وعنده الاطلاع على شيء من التواريخ والأحاديث، وكان حسن التأني لما حضر بين يدي السلطان، وأكل معه الطعام وخلا به، ذكر أنه مملوكه وتحت طاعته، وأنه يسلم إليه المكان من غير تعب، واشترط أن يعطى موضعاً يسكنه بدمشق، وإقطاعاً فيها يقوم به وبأهله، وشروط غير ذلك، فأجابه إلى مرامه. ووصله الخبر بتسليم الشوبك، وكان قد أقام عليه جمعاً يحاصرونه مدة سنة كاملة إلى أن نفد زاد من كان فيه، وسلموه بالأمان. ثم ظهر للسلطان بعد ذلك أن جميع ما قاله صاحب شقيف كان خديعة، فراسلهم عليه ثم بلغه أن الفرنج قصدوا عكا ونزلوا عليها، فسير صاحب شقيف إلى دمشق بعد الإهانة الشديدة، وأتى عكا ودخلها بغتة لتقوي قلوب من بها، ثم استدعى العسكر من كل ناحية، ثم تكاثر الفرنج، واستفحل أمرهم وأحاطوا بعكا، ومنعوا من يدخل إليها ويخرج، فضاق صدر السلطان لذلك، ثم اجتهدوا في فتح طريق إليها لتستمر المسايلة بالمسيرة والنجدة، وسار الأمراء فاتفقوا على مضايقة العدو لينفتح الطريق، ففعلوا ذلك وانفتح الطريق، وسلكه المسلمون ودخل السلطان عكا، فأشرف على أمورها، ثم جرى بين الفريقين مناوشات في عدة أيام، ثم جرت وقعات، وقيل للسلطان: إن الوخم قد عظم بمرج عكا، فإن الموت قد نشأ بين الطائفتين فرجعوا.

قصد صلاح الدين الأيوبي بلاد الأرمن.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

قصد صلاح الدين الأيوبي بلاد الأرمن.
576 - 1180 م
قصد صلاح الدين بلد ابن ليون الأرمني وسبب ذلك أن ابن ليون الأرمني قد استمال قوماً من التركمان وبذل لهم الأمان، فأمرهم أن يرعوا مواشيهم في بلاده، وهي بلاد حصينة كلها حصون منيعة، والدخول إليها صعب، لأنها مضائق وجبال وعرة، ثم غدر بهم وسبى حريمهم، وأخذ أموالهم، وأسر رجالهم بعد أن قتل منهم، فسار صلاح الدين على النهر الأسود، وبث الغارات على بلاده، فخاف ابن ليون على حصن له على رأس جبل أن يؤخذ فخربه وأحرقه، فسمع صلاح الدين بذلك، فأسرع السير إليه، فأدركه قبل أن ينقل ما فيه من ذخائر وأقوات، فغنمها، وانتفع المسلمون بما غنموه، فأرسل ابن ليون يبذل إطلاق ما عنده من الأسرى والسبي وإعادة أموالهم على أن يعودوا عن بلاده، فأجابه صلاح الدين إلى ذلك واستقر الحال، وأطلق الأسرى وأعيدت أموالهم، وعاد صلاح الدين عنه في جمادى الآخرة.

إرسال صلاح الدين الأيوبي العساكر إلى اليمن.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

إرسال صلاح الدين الأيوبي العساكر إلى اليمن.
577 - 1181 م
سير صلاح الدين جماعة من أمرائه منهم صارم الدين قتلغ أبه، والي مصر، إلى اليمن، للاختلاف الواقع بها بين نواب أخيه شمس الدولة، وهم عز الدين عثمان بن الزنجيلي، والي عدن، وحطان بن منقذ والي زبيد وغيرهما، فإنهم لما بلغهم وفاة صاحبهم اختلفوا وجرت بين عز الدين عثمان وبين حطان حرب، وكل واحد منهما يروم أن يغلب الآخر على ما بيده، واشتد الأمر، فخاف صلاح الدين أن يطمع أهل البلاد فيها بسبب الاختلاف بين أصحابه وأن يخرجوهم من البلاد، فأرسل هؤلاء الأمراء إليها. واستولى قتلغ أبه على زبيد وأزال حطان عنها، ثم مات قتلغ أبه، فعاد حطان إلى إمارة زبيد، وأطاعه الناس لجوده وشجاعته.

حصر صاحب ماردين قلعة البيرة ومصير صاحبها مع صلاح الدين.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

حصر صاحب ماردين قلعة البيرة ومصير صاحبها مع صلاح الدين.
577 - 1181 م
كانت قلعة البيرة، وهي مطلة على الفرات من أرض الجزيرة، لشهاب الدين الآرتقي، وهو ابن عم قطب الدين إيلغازي بن ألبي بن تورتاش بن إيلغازي بن أرتق صاحب ماردين، وكان في طاعة نور الدين محمود بن زنكي، صاحب الشام، فمات شهاب الدين وملك القلعة بعده ولده وصار في طاعة عز الدين مسعود صاحب الموصل، فلما كان هذه السنة أرسل صاحب ماردين إلى عز الدين يطلب منه أن يأذن له في حصر البيرة وأخذها، فأذن له في ذلك، فسار في عسكره إلى قلعة سميساط، وهي له، ونزل بها وسير العسكر إلى البيرة، فحصرها، فلم يظفر منها بطائل، إلا أنهم لازموا الحصار، فأرسل صاحبها إلى صلاح الدين وقد خرج من ديار مصر، يطلب منه أن ينجده ويرحل العسكر المارديني عنه، ويكون هو في خدمته، كما كان أبوه في خدمة نور الدين، فأجابه إلى ذلك، وأرسل رسولاً إلى صاحب ماردين يشفع فيه، ويطلب أن يرحل عسكره عنه، فلم يقبل شفاعته، واشتغل صلاح الدين بالفرنج، فلما رأى صاحب ماردين طول مقام عسكره على البيرة، ولم يبلغوا منها غرضاً، أمرهم بالرحيل عنها، وعاد إلى ماردين، فسار صاحبها إلى صلاح الدين، وكان معه حتى عبر معه الفرات.

وفاة الملك الصالح بن نور الدين صاحب حلب وإقامة ابن عمه عز الدين مسعود صاحب الموصل ليحفظها من صلاح الدين.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

وفاة الملك الصالح بن نور الدين صاحب حلب وإقامة ابن عمه عز الدين مسعود صاحب الموصل ليحفظها من صلاح الدين.
577 رجب - 1181 م
توفي الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين محمود صاحب حلب بها، وعمره نحو تسع عشرة سنة، ولما اشتد مرضه وصف له الأطباء شرب الخمر للتداوي فلم يفعل فلما أيس من نفسه، أحضر الأمراء، وسائر الأجناد، ووصاهم بتسليم البلد إلى ابن عمه عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي، واستحلفهم على ذلك، فقال له بعضهم: إن عماد الدين ابن عمك أيضاً، وهو زوج أختك، وكان والدك يحبه ويؤثره، وهو تولى تربيته، وليس له غير سنجار، فلو أعطيته البلد لكان أصلح وعز الدين له من البلاد من نهر الفرات إلى همذان، ولا حاجة به إلى بلدك، فقال له: إن هذا لم يغب عني، ولكن قد علمتم أن صلاح الدين قد تغلب على عامة بلاد الشام سوى ما بيدي، ومتى سلمت حلب إلى عماد الدين يعجز عن حفظها وإن ملكها صلاح الدين لم يبق لأهلنا معه مقام، وإن سلمتها إلى عز الدين أمكنه حفظها بكثرة عساكره وبلاده، فاستحسنوا قوله وعجبوا من جودة فطنته مع شدة مرضه وصغر سنه ولما قضى نحبه أرسل الأمراء إلى أتابك عز الدين يستدعونه إلى حلب، فسار هو ومجاهد الدين قايماز إلى الفرات، وأرسل فأحضر الأمراء عنده من حلب، فحضروا، وساروا جميعاً إلى حلب، ودخلها في العشرين من شعبان، وكان صلاح الدين حينئذ بمصر، وأقام بحلب عدة شهور، ثم سار عنها إلى الرقة.

عبور صلاح الدين الأيوبي الفرات وملكه ديار الجزيرة.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

عبور صلاح الدين الأيوبي الفرات وملكه ديار الجزيرة.
578 - 1182 م
أرسل مظفر الدين كوكبري بن زين الدين علي بن بكتكين -وهو مقطع حران- إلى صلاح الدين وهو يحاصر بيروت يطمعه في البلاد، فجد صلاح الدين السير مظهراً أنه يريد حصر حلب ستراً للحال، فلما قارب الفرات سار إليه مظفر الدين فعبر الفرات واجتمع به وعاد معه فقصد البيرة، وهي قلعة منيعة على الفرات، من الجانب الجزري، وكان صاحبها قد سار مع صلاح الدين، وفي طاعته، فعبر هو وعسكره الفرات على الجسر الذي عند البيرة، وكان عز الدين صاحب الموصل ومجاهد الدين لما بلغهما وصول صلاح الدين إلى الشام قد جمعا العسكر وسارا إلى نصيبين، ليكونا على أهبة واجتماع لئلا يتعرض صلاح الدين إلى حلب، ثم تقدما إلى دارا، فنزلا عندها، فجاءهما أمر لم يكن في الحساب، فلما بلغهما عبور صلاح الدين الفرات، عادا إلى الموصل وأرسلا إلى الرها عسكراً يحميها ويمنعها، فلما سمع صلاح الدين ذلك قوي طمعه في البلاد، ولما عبر صلاح الدين الفرات، كاتب الملوك أصحاب الأطراف ووعدهم، وبذل لهم البذول على نصرته، فأجابه نور الدين محمد بن قرا أرسلان، صاحب الحصن، إلى ما طلب منه، وسار صلاح الدين إلى مدينة الرها، فحصرها في جمادى الأولى، وقاتلها أشد قتال، حتى ملك المدينة ثم زحف إلى القلعة، فسلمها إليه الدزدار الذي بها على مال أخذه، فلما ملكها سلمها إلى مظفر الدين مع حران، ثم سار عنها، على حران، إلى الرقة، فلما وصل إليها كان بها مقطعها قطب الدين ينال بن حسان المنبجي، فسار عنها إلى عز الدين أتابك، وملكها صلاح الدين، وسار إلى الخابور، قرقيسيا، وماكسين وعابان، فملك جميع ذلك فلما استولى على الخابور جميعه سار إلى نصيبين، فملك المدينة لوقتها، وبقيت القلعة، فحصرها عدة أيام، فملكها أيضاً، وأقام بها ليصلح شأنها، ثم أقطعها أميراً كان معه يقال له أبو الهيجاء السمين، وسار عنه ومعه نور الدين صاحب الحصن.

حصر صلاح الدين الأيوبي الموصل.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

حصر صلاح الدين الأيوبي الموصل.
578 - 1182 م
لما ملك صلاح الدين نصيبين، سار إلى الموصل، وكان عز الدين صاحبها ومجاهد الدين قد جمعا العساكر الكثيرة ما بين فارس وراجل، وأظهرا من السلاح وآلات الحصار ما حارت له الأبصار، وبذلا الأموال الكثيرة، وسار صلاح الدين حتى قارب الموصل، فرأى ما هاله وملأ صدره وصدور أصحابه، فإنه رأى بلداً عظيماً كبيراً، ورأى السور والفصيل علم أنه لا يقدر على أخذه، وأنه يعود خائباً، ثم رجع إلى معسكره وصبح البلد، وكان نزوله عليه في رجب، فنازله وضايقه، ونزل محاذي باب كندة، وأنزل صاحب الحصن بباب الجسر، وأنزل أخاه تاج الملوك عند الباب العمادي، وانشب القتال، فلم يظفر، فنصب منجنيقاً، فنصب عليه من البلد تسعة مجانيق، ثم إن صلاح الدين رحل من قرب البلد، ونزل متأخراً، خوفاً من البيات، فإنه لقربه كان لا يأمن ذلك، ثم ترددت الرسل إلى عز الدين ومجاهد الدين في الصلح، فلما رأى صلاح الدين أنه لا ينال من الموصل غرضاً، ولا يحصل على غير العناء والتعب، وأن من بسنجار من العساكر الموصلية يقطعون طريق من يقصدونه من عساكره وأصحابه، سار من الموصل إليها.

ملك صلاح الدين الأيوبي سنجار.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

ملك صلاح الدين الأيوبي سنجار.
578 - 1182 م
لما سار صلاح الدين عن الموصل إلى سنجار، سير مجاهد الدين إليها عسكراً قوة لها ونجدة، فسمع بهم صلاح الدين، فمنعهم من الوصول إليها، وأوقع بهم، وأخذ سلاحهم ودوابهم وسار إليها ونازلها، وكان بها شرف الدين أمير أميران هندوا أخو عز الدين، صاحب الموصل، في عسكر معه، فحصر البلد وضايقه، وألح في قتاله، فكاتبه بعض أمراء الأكراد الذين به من الزرزارية، وخامر معه، وأشار بقصده من الناحية التي هو بها ليسلم إليه البلد، فطرقه صلاح الدين ليلاً، فسلم إليه ناحيته، فلما سمع شرف الدين الخبر استكان وخضع، وطلب الأمان، فأمن، وملك صلاح الدين البلد، وسار شرف الدين ومن معه إلى الموصل، واستقر جميع ما ملكه صلاح الدين بملك سنجار، فلما ملك سنجار صارت على الجميع كالسور، واستناب بها سعد الدين بن معين الدين أنز.

ذكر حصر صلاح الدين الأيوبي لبيروت.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

ذكر حصر صلاح الدين الأيوبي لبيروت.
578 - 1182 م
سار صلاح الدين عن دمشق إلى بيروت، فنهب بلدها، وكان قد أمر الأسطول المصري بالمجيء في البحر إليها، فساروا ونازلوها، وأغاروا عليها وعلى بلدها، وسار صلاح الدين فوافاهم ونهب ما لم يصل الأسطول إليه، وحصرها عدة أيام. وكان عازماً على ملازمتها إلى أن يفتحها، فأتاه الخبر وهو عليها أن البحر قد ألقى بطسة للفرنج فيها جمع عظيم منهم إلى دمياط، وكانوا قد خرجوا لزيارة البيت المقدس، فأسروا من بها إلى أن غرق منهم الكثير فكان عدة الأسرى ألفاً وستمائة وستة وسبعين أسيراً، فضربت بذلك البشائر.

فتح صلاح الدين الأيوبي حارم.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

فتح صلاح الدين الأيوبي حارم.
579 - 1183 م
لما ملك صلاح الدين حلب كان بقلعة حارم، وهي من أعمال حلب، بعض المماليك النورية، واسمه سرحك، وولاه عليها الملك الصالح عماد الدين، فامتنع من تسليمها إلى صلاح الدين، فراسله صلاح الدين في التسليم، وقال له: اطلب من الإقطاع ما أردت؛ ووعده الإحسان، فاشتط في الطلب، وترددت الرسل بينهما، فراسل الفرنج ليحتمي بهم، فسمع من معه من الأجناد أنه يراسل الفرنج، فخافوا أن يسلمها إليهم، فوثبوا عليه وقبضوه وحبسوه، وراسلوا صلاح الدين يطلبون منه الأمان والإنعام، فأجابهم إلى ما طلبوا، وسلموا إليه الحصن فرتب به دزداراً بعض خواصه، وأما باقي قلاع حلب، فإن صلاح الدين أقر عين تاب بيد صاحبها، وأقطع تل خالد لأمير يقال له داروم الباروقي، وهو صاحب تل باشر، وأما قلعة إعزاز، فإن عماد الدين إسماعيل كان قد خربها، فأقطعها صلاح الدين لأمير يقال له دلدرم سلمان بن جندر، فعمرها. وأقام صلاح الدين بحلب إلى أن فرغ من تقرير قواعدها وأحوالها وديوانها، وأقطع أعمالها، وأرسل منها فجمع العساكر من جميع بلاده.

ملك صلاح الدين الأيوبي آمد وتسليمها إلى صاحب الحصن.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

ملك صلاح الدين الأيوبي آمد وتسليمها إلى صاحب الحصن.
579 محرم - 1183 م
نزل صلاح الدين بحرزم، تحت ماردين، فلم ير لطمعه وجهاً، فسار عنها إلى آمد، على طريق البارعية، وكان نور الدين محمد بن قرا أرسلان يطالبه في كل وقت بقصدها وأخذها وتسليمها إليه، على ما استقرت القاعدة بينهما، فوصل إلى آمد سابع عشر ذي الحجة من سنة ثمان وسبعين ونازلها، وأقام يحاصرها، وقاتلهم صلاح الدين، ونصب المجانيق، وزحف إليها، وهي الغاية في الحصانة والمنعة، بها وبسورها يضرب المثل، وابن نيسان على حاله من الشح بالمال، وتصرفه تصرف من ولت سعادته وأدبرت دولته؛ فلما رأى الناس ذلك منه تهاونوا بالقتال، وجنحوا إلى السلامة، وأمر صلاح الدين أن يكتب على السهام إلى أهل البلد يعدهم الخير والإحسان إن أطاعوه، ويتهددهم إن قاتلوه، فزادهم ذلك تقاعداً وتخاذلاً، وأحبوا ملكه وتركوا القتال؛ فوصل النقابون إلى السور، فنقبوه وعلقوه، فلما رأى الجند وأهل البلد ذلك طمعوا في ابن نيسان واشتطوا في المطالب، فحين صارت الحال كذلك أخرج ابن نيسان نساءه إلى القاضي الفاضل، وزير صلاح الدين، يسأله أن يأخذ له الأمان ولأهله وماله، وأن يؤخره ثلاثة أيام حتى ينقل ما له بالبلد من الأموال والذخائر؛ فسعى له الفاضل في ذلك، فأجابه صلاح الدين إليه، فسلم البلد في العشر الأول من المحرم، فلما تسلمها صلاح الدين سلمها نور الدين إلى صاحب الحصن.

ملك صلاح الدين الأيوبي تل خالد وعين تاب من أعمال الشام.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

ملك صلاح الدين الأيوبي تل خالد وعين تاب من أعمال الشام.
579 محرم - 1183 م
لما فرغ صلاح الدين من أمر آمد سار إلى الشام، وقصد تل خالد، وهي من أعمال حلب، فحصرها ورماها بالمنجنيق، فنزل أهلها وطلبوا الأمان فأمنهم، ثم سار منها إلى عين تاب فحصرها وبها ناصر الدين محمد، وهو أخو الشيخ إسماعيل الذي كان خازن نور الدين محمود بن زنكي وصاحبه، وكان قد سلمها إليه نور الدين، فبقيت معه إلى الآن. فلما نازله صلاح الدين أرسل إليه يطلب أن يقر الحصن بيده وينزل إلى خدمته ويكون تحت حكمه وطاعته، فأجابه صلاح الدين إلى ذلك، وحلف له عليه، فنزل إليه، وسار في خدمته.

صلاح الدين الأيوبي يحتل حلب.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

صلاح الدين الأيوبي يحتل حلب.
579 محرم - 1183 م
سار صلاح الدين من عين تاب إلى حلب، فنزل عليها، في الميدان الأخضر، وأقام به عدة أيام، ثم انتقل إلى جبل جوشن فنزل بأعلاه، وأظهر أنه يريد أن يبني مساكن له ولأصحابه وعساكره، وأقام عليها أياماً والقتال بين العسكرين كل يوم، وكان صاحب حلب عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي، ومعه العسكر النوري، وهم مجدون في القتال، فلما رأى كثرة الخرج، كأنه شح بالمال، فمال حينئذ إلى تسليم حلب وأخذ العوض منها، وأرسل مع الأمير طمان الياروقي، وكان يميل إلى صلاح الدين وهواه معه، فلهذا أرسله فقرر قاعدة الصلح على أن يسلم عماد الدين حلب إلى صلاح الدين ويأخذ عوضها سنجار، ونصيبين، والخابور، والرقة وسروج، وأخذ عوضها قرى ومزارع، فنزل عنها عشر صفر، وتسلمها صلاح الدين.

غزو صلاح الدين الأيوبي الكرك.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

غزو صلاح الدين الأيوبي الكرك.
580 ربيع الثاني - 1184 م
سار صلاح الدين من دمشق يريد الغزو، وجمع عساكره، فأتته من كل ناحية، ومن أتاه نور الدين محمد بن قرا أرسلان، صاحب الحصن. وكتب إلى مصر ليحضر عسكرها عنده على الكرك، فنازل الكرك وحصره، وضيق على من به، وأمر بنصب المجانيق على ربضه، واشتد القتال، فملك المسلمون الربض، وبقي الحصن، وهو الربض على سطح جبل واحد، إلا أن بينهما خندقاً عظيماً فطموه بصعوبة بالغة، وأرسل من فيه من الفرنج إلى ملكهم وفرسانهم يستمدونهم ويعرفونهم عجزهم وضعفهم عن حفظ الحصن، فاجتمعت الفرنج عن آخرها، وساروا إلى نجدتهم عجلين، فلما بلغ الخبر بمسيرهم إلى صلاح الدين رحل عن الكرك إلى طرقهم ليلقاهم ويصاففهم، ويعود بعد أن يهزمهم إلى الكرك، فقرب منهم وخيم ونزل، ولم يمكنه الدنو منهم لخشونة الأرض وصعوبة المسلك إليهم وضيقه، فأقام أياماً ينتظر خروجهم من ذلك المكان ليتمكن منهم، فلم يبرحوا منه خوفاً على نفوسهم، فلما رأى ذلك رحل عنهم عدة فراسخ، وجعل بإزائهم من يعلمه بمسيرهم، فساروا ليلاً إلى الكرك، فلما علم صلاح الدين ذلك علم أنه لا يتمكن حينئذ ولا يبلغ غرضه، فسار إلى مدينة نابلس، ونهب كل ما على طريقه من البلاد؛ فلما وصل إلى نابلس أحرقها وخربها ونهبها، وقتل فيها وأسر من المسلمين، فاستنقذهم، ورحل إلى جينين فنهبها وخربها، وعاد إلى دمشق ونهب ما على طريقه وخربه، وبث السرايا في طريقه يميناً وشمالاً يغنون ويخربون، ووصل إلى دمشق.

ملك صلاح الدين الأيوبي ميافارقين.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

ملك صلاح الدين الأيوبي ميافارقين.
581 جمادى الأولى - 1185 م
سار صلاح الدين إلى خلاط وجعل طريقه على ميافارقين مطمع ملكها، حيث كان صاحبه قطب الدين، صاحب ماردين، قد توفي وملك بعد ابنه، وهو طفل، وكان حكمها إلى شاه أرمن، وعسكره فيها، فلما توفي طمع في أخذها، فلما نازلها رآها مشحونة بالرجال، وبها زوجة قطب الدين المتوفي، ومعها بنات لها منه، وهي أخت نور الدين محمد، صاحب الحصن، فأقام صلاح الدين عليها يحصرها من أول جمادى الأولى، واشتد القتال عليه ونصبت المجانيق والعرادات، فلم يصل صلاح الدين إلى ما يريد منها؛ فلما رأى ذلك عدل عن القوة والحرب إلى أعمال الحيلة، فراسل امرأة قطب الدين المقيمة بالبلد يقول لها: إن أسد الدين يرنقش قد مال إلينا في تسليم البلد ونحن نرعى حق أخيك نور الدين فيك بعد وفاته، ونريد أن يكون لك في هذا الأمر نصيب، وأنا أزوج بناتك بأولادي وتكون ميافارقين وغيرها لك وبحكمك؛ ووضع من أرسل إلى أسد يعرفه أن الخاتون قد مالت للمقاربة والانقياد إلى السلطان، وأن من بخلاط قد كاتبوه ليسلموا إليه، فخذ لنفسك، واتفق أن رسولاً وصله من خلاط، يبذلون له الطاعة، وقالوا له من الاستدعاء إليهم ما كانوا يقولونه، فأمر صلاح الدين الرسول، فدخل إلى ميافارقين، وقال لأسد: أنت عمن تقاتل، وأنا قد جئت في تسليم خلاط إلى صلاح الدين! فسقط في يده، وضعفت نفسه، وأرسل يقترح أقطاعاً ومالاً، فأجيب إلى ذلك، وسلم البلد سلخ جمادى الأولى، وعقد النكاح لبعض أولاده على بعض بنات الخاتون، وأقر بيدها قلعة الهتاخ لتكون فيها هي وبناتها

عود صلاح الدين الأيوبي إلى بلد الموصل.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

عود صلاح الدين الأيوبي إلى بلد الموصل.
581 شعبان - 1185 م
لما فرغ صلاح الدين من أمر ميافارقين، وأحكم قواعدها، وقرر أقطاعها وولاياتها، أجمع على العود إلى الموصل، فسار نحوها، وجعل طريقه على نصيبين، فوصل إلى كفر زمار، والزمان شتاء، فنزلها في عسكره، وعزم على المقام بها وإقطاع جميع بلاد الموصل، وأخذ غلالها ودخلها، وإضعاف الموصل بذلك، إذ علم أنه لا يمكنه التغلب عليها، وأقام بها شعبان ورمضان، وتردد الرسل بينه وبين عز الدين، صاحب الموصل، وصار مجاهد الدين يراسل ويتقرب، وكان قوله مقبولاً عند سائر الملوك لما علموا من صحته، فبينما الرسل تتردد في الصلح، إذ مرض صلاح الدين، وسار من كفر زمار عائداً إلى حران، فلحقه الرسل بالإجابة إلى ما طلب، فتقرر الصلح، وحلف على ذلك، وكاتب القاعدة أن يسلم إليه عز الدين شهرزور وأعمالها وولاية القرابلي، وجميع ما وراء الزاب من الأعمال، وأن يخطب له على منابر بلاده، ويضرب اسمه على السكة، فلما حلف أرسل رسله فحلف عز الدين له، وتسلموا البلاد التي استقرت القاعدة على تسليمها، ووصل صلاح الدين إلى حران، فأقام بها مريضاً، وأمنت الدنيا، وسكنت الدهماء، وانحسمت مادة الفتن.

صلاح الدين الأيوبي يهزم الصليبيين في معركة (حطين).

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

صلاح الدين الأيوبي يهزم الصليبيين في معركة (حطين).
583 ربيع الثاني - 1187 م
لما أتت صلاح الدين البشارة بهزيمة الإسبتارية والدواية، وقتل من قتل منهم، وأسر من أسر، عاد عن الكرك إلى العسكر الذي مع ولده الملك الأفضل، فنزل بالأقحوانة بقرب طبرية، وتقدم صلاح الدين حتى قارب الفرنج، فلم ير الفرنج من يمنعهم من القتال، ونزل جريدة إلى طبرية وقاتلهم، ونقب بعض أبراجها، وأخذ المدينة عنوة في ليلة، ولجأ من بها إلى القلعة التي لها، فامتنعوا بها، وفيها صاحبتها، فنهب المدينة وأحرقها، فقوي عزم الروم على التقدم إلى المسلمين وقتالهم، فرحلوا من معسكرهم الذي لزموه، وقربوا من عساكر الإسلام؛ فلما سمع صلاح الدين بذلك عاد عن طبرية إلى عسكره، وكان قريباً منه، وإنما كان قصده بمحاصرة طبرية أن يفارق الفرنج مكانهم لتمكن من قتالهم، وكان المسلمون قد نزلوا على الماء، والزمان قيظ شديد الحر، فوجد الفرنج العطش، ولم يتمكنوا من الوصول إلى ذلك الماء من المسلمين، وكانوا قد أفنوا ما هناك من ماء الصهاريج ولم يتمكنوا من الرجوع خوفاً من المسلمين، فبقوا على حالهم إلى الغد، وهو يوم السبت، وقد أخذ العطش منهم، وأصبح صلاح الدين والمسلمون يوم السبت لخمس بقين من ربيع الآخر، فركبوا وتقدموا إلى الفرنج، فركب الفرنج، ودنا بعضهم من بعض، إلا أن الفرنج قد اشتد بهم العطش وانخذلوا، فاقتتلوا، واشتد القتال، وصبر الفريقان، ورمى جاليشية المسلمين من النشاب ما كان كالجراد المنتشر، فقتلوا من خيول الفرنج كثيراً. والفرنج قد جمعوا نفوسهم براجلهم وهم يقاتلون سائرين نحو طبرية، لعلهم يردون الماء. فلما علم صلاح الدين مقصدهم صدهم عن مرادهم، وكان بعض المتطوعة من المسلمين قد ألقى في تلك الأرض ناراً، وكان الحشيش كثيراً فاحترق، وكانت الريح على الفرنج، فحملت حر النار والدخان إليهم، فاجتمع عليهم العطش وحر الزمان وحر النار، والدخان، وحر القتال، فلما انهزم القمص سقط في أيديهم وكادوا يستسلمون، ثم علموا أنهم لا ينجيهم من الموت إلا الإقدام عليه، فحملوا حملات متداركة كادوا يزيلون بها المسلمين، على كثرتهم، عن مواقفهم لولا لطف الله بهم، إلا أن الفرنج لا يحملون حملة فيرجعون إلا وقد قتل منهم، فوهنوا لذلك وهناً عظيماً، فأحاط بهم المسلمون إحاطة الدائرة بقطرها، فارتفع من بقي من الفرنج إلى تل بناحية حطين، وأرادوا أن ينصبوا خيامهم، ويجموا نفوسهم به، فاشتد القتال عليهم من سائر الجهات، ومنعوهم عما أرادوا، ولم يتمكنوا من نصب خيمة غير خيمة ملكهم، وأخذ المسلمون صليبهم الأعظم الذي يسمونه صليب الصلبوت، ويذكرون أن فيه قطعة من الخشبة التي صلب عليها المسيح، عليه السلام، بزعمهم، فكان أخذه عندهم من أعظم المصائب عليهم، وأيقنوا بعده بالقتل والهلاك، هذا والقتل والأسر يعملان في فرسانهم ورجالتهم، فبقي الملك على التل في مقدار مائة وخمسين فارساً من الفرسان المشهورين والشجعان المذكورين، وكان سبب سقوط الفرنج لما حملوا تلك الحملات ازدادوا عطشاً، وقد كانوا يرجون الخلاص في بعض تلك الحملات مما هم فيه، فلما لم يجدوا إلى الخلاص طريقاً، نزلوا عن دوابهم وجلسوا على الأرض، فصعد المسلمون إليهم، فألقوا خيمة الملك، وأسروهم على بكرة أبيهم، وفيهم الملك وأخوه والبرنس أرناط، صاحب الكرك، ولم يكن للفرنج أشد منه عداوة للمسلمين، وأسروا أيضاً صاحب جبيل، وابن هنفري، ومقدم الداوية، وكان من أعظم الفرنج شأناً، وأسروا أيضاً جماعة من الداوية، وجماعة من الإسبتارية، وكثر القتل والأسر فيهم، فكان من يرى القتلى لا يظن أنهم أسروا واحداً، ومن يرى الأسرى لا يظن أنهم قتلوا أحداً، فلما فرغ المسلمون منهم نزل صلاح الدين في خيمته، وأحضر ملك الفرنج عنده، وبرنس صاحب الكرك، وأجلس الملك إلى جانبه وقد أهلكه العطش، فسقاه ماء مثلوجاً، فشرب، وأعطى فضله برنس صاحب الكرك، فشرب، فقال صلاح الدين: إن هذا الملعون لم يشرب الماء بإذني فينال أماني؛ ثم كلم البرنس، وقرعه بذنوبه، وعدد عليه غدراته، وقام إليه بنفسه فضرب رقبته وقال: كنت نذرت دفعتين أن أقتله إن ظفرت به: إحداهما لما أراد المسير إلى مكة والمدينة، والثانية لما أخذ القفل غدراً؛ فلما قتله وسحب وأخرج ارتعدت فرائص الملك، فسكن جأشه وأمنه.

عود صلاح الدين الأيوبي إلى طبرية وملك قلعتها مع المدينة.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

عود صلاح الدين الأيوبي إلى طبرية وملك قلعتها مع المدينة.
583 ربيع الثاني - 1187 م
لما فرغ صلاح الدين من هزيمة الفرنج في حطين أقام بموضعه باقي يومه، وأصبح يوم الأحد، فعاد إلى طبرية ونازلها، فأرسلت صاحبتها تطلب الأمان لها ولأولادها وأصحابها ومالها، فأجابها إلى ذلك، فخرجت بالجميع، فوفى لها، فسارت آمنة، ثم أمر بالملك وجماعة من أعيان الأسرى فأرسلوا إلى دمشق، وأمر بمن أسر من الداوية والإسبتارية أن يجمعوا ليقتلهم، ثم علم أن من عنده أسير لا يسمح به لما يرجوا من فدائه، فبذل في كل أسير من هذين الصنفين خمسين ديناراً مصرية، فأحضر عنده في الحال مائتا أسير منهم، فأمر بهم فضربت أعناقهم، وإنما خص هؤلاء بالقتل لأنهم أشد شوكة من جميع الفرنج، فأراح الناس من شرهم؛ وكتب إلى نائبه بدمشق ليقتل من دخل البلد منهم سواء كان له أو لغيره، ففعل ذلك.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت