[*] صفحة 132
مقتني صناعة الطب عن العقلاء الافاضل مؤثري الصلاح لذواتهم هو أشد الناس عندهم تقدما وارفعهم منزلة واجلّهم قدرا وأصدقهم قولا ولست أشير الى من يتسمى بالطب وهو عادم لمعناه اذ كانوا هؤلاء بالهوان أحق من الإكرام لاستحسانهم الكذب ورضاهم لنفوسهم بالمحال لكني أرى ان الكرامة واجبة لمن عرف قدر ما وهبه اللّه جلّ وعزّ له من جزيل النعمة وعلوّ القدر أعني ما تفضل به على نوع الانسان من علم صناعة الطب لعنايته ورحمته له. ولما من بهذه الصناعة على نوع الانسان ولم يكن جملة اشخاصه يصلحون لتعلمها خصّ به آحادا افاضل، عقولهم صافية وقرائحهم حادة، محبون للخير رأوفون بأبناء نوعهم ذوي رحمة وعفة ولذلك وجب على من خصّه اللّه بهذه النعمة ان يدمن بشكره ويحسن عبادته يخلص له المحبة. وبغير شك ان أخيار الناس وأفاضلهم يوجبون على نفوسهم لهذه الطائفة من الأطباء الاكرام والاعظام. وان من ازرى على هؤلاء ووضع منهم وجحدهم حقوقهم فقد جحد نعم اللّه وأحلّ منّته واستخف بإحسانه ولم يشك عاقل 1في ان فاعل ذلك بنفسه استخف وعلى جمله يأس 2و من اول دليل على جملة ما نراه عن المريض كيف لا يلتفت الى والد ولا الى ولد ولا يرجو الصلاح من صديق ولا حميم لكنه يستغيث باللّه وبالطبيب فاذا خلص من مرضه نسيّ الطبيب واستهان بحقه وليس ذلك فعل من ينبغي ان يعد في عداد المذكورين بالعقل بل بالبهيمية فبهذا اشبه واوصافها به اولى وكم من ناس قد بغضوا الأطباء وكرهوا قربهم فضلا عن ان يحبوهم ويكرموهم لاجل منعهم لهم من شهواتهم وتحذيرهم لهم من اتباعهم للذاتهم فلذلك يكرهون اجتماعهم معهم ويسبونهم ويكرمون دائما من تابعهم الى شهواتهم وفضل عندهم لذاتهم واستعمل معهم الملق فاكثر الترداد الى منازلهم ومايلهم بالخدمة لهم فيما يهوونه والمحادثة بما يستحسنونه. ولما علم اهل الخداع والحيل من الاطباء بما ينفق على كل صنف من اهل اليسار والرئاسة من هذه الخدع يعملوا لصيدهم بذلك المعنى فكانت هذه الحيلة لهم بمنزلة الشبكة للصياد.
و اذا كان الأمر على ما ذكرنا وامتحان ذلك سهل على من أراد تفقده وتأمل ما قد نصب من الفخاخ والشباك وأنواع المصايد أعني بذلك ما يتّزيا به اهل الحيل من الزّي وما يعظمون لنفوسهم المجالس ويتخذون من الالات والامتعة في الدكاكين التي قد كبّروها وزخرفوها
1)وردت في الاصل (عاقلا) والصحيح ما اثبتناه.
2)وردت في الاصل (يئس) والصحيح ما اثبتناه.