فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 199

[*]مؤلف الكتاب: -

لم نقف في كتب التراجم على ما يكفينا عن هوية وسيرة مؤلف كتاب « أدب الطبيب » إسحاق بن علي الرهاوي، فلم يذكره ابن النديم المتوفى بعده بنحو قرن، ولم يذكره ابن القفطي المتوفى سنة 646 ه‍. أما أبن أبي أصيبعة المتوفى سنة 686 ه‍ فله مأثرة في كونه المؤرخ الوحيد الذي لفت نظر الباحثين الى الطبيب إسحاق بن علي الرهاوي، غير انه لم يشر فيما كتبه عنه في مصنفه الكبير « عيون الانباء في طبقات الأطباء » الى نحلته العقائدية والدينية، أو تأريخ مولده أو نشأته أو وفاته ولو احتمالا بحدود السنين، كما لم يذكر مستقره أو تطوافه وتجواله بين البلدان، غير أنه أخذ أكثر من مرة عن كتابه « أدب الطبيب » فورد اسم هذا المؤلف، واسم كتابه في كتاب « عيون الانباء » لابن أبي أصيبعة في سبعة مواضع 1نقلا عن عيسى ابن ماسة كان اثنان منها 2: ان الرهاوي قد أخذ عن ابن ماسه مباشرة، لا نقلا او رواية، وفيها ما يفيدنا أن الرهاوي عاصر يوحنا بن ماسويه المتوفى سنة 243 ه‍ الذي كان من أطباء الخليفة المتوكل على اللّه المتوفى 3سنة 247 ه‍، وهذا التأريخ يؤكد أن الرهاوي من أطباء القرن الثالث للهجرة، إن لم يكن من أطباء الثلث الأخير منه بالتحديد. وفي روايات ابن أبي أصيبعة ما يدل على ان الطبيب الرهاوي قد عاصر اطباء الخلفاء العباسيين في تلك الحقبة الا انه لم يذكر شيئا عن دوره العلمي بين أولئك الأطباء، لنعرف فيما اذا كان عهدئذ متعلما في بغداد أو معلما فيها، وذلك لان أبن أبي أصيبعة تكلم عنه بأقتضاب شديد مكتفيا بقوله: « كان طبيبا متميزا عالما بكلام جالينوس، وله أعمال جيدة في صناعة الطب، ثم ذكر له ثلاثة كتب، أحدها: كناش جمعه من عشر مقالات لجالينوس المعروفة بالميامر في تركيب الأدوية بحسب أمراض الأعضاء الآلمة من الرأس الى القدم. وكتاب ثان من جوامع الأسكندريين لكتب جالينوس؛ وهي كتاب الفرق، وكتاب الصناعة الصغيرة، وكتاب النبض الصغير، وكتابه الى اغلوقن. كما ذكر له كتابا ثالثا هو كتاب « أدب الطبيب » وهو الكتاب الوحيد الذي نجا من الضياع فوصلنا كاملا لو لا بعض ما سقط من أوراق من النسخة التي بين أيدينا. كما سنبين ذلك فيما يأتي.

و يبدو من عنواني الكتابين الأولين المنسوبين للرهاوي، ومضامين كتابه أدب الطبيب، أن الرهاوي كان يؤمن بفسلفة اليونانيين الأقدمين، وأنه تبنى أفكار جالينوس في الطب ومارسه بموجبها، وأنه كان يعنى بعلم الأدوية وصيدلتها أيضا، كما أن كتبه جميعها تدل على أن هذا الطبيب المؤلف قد تفرغ للطب وحده، وما له علاقة بأطرافه من الصيادلة والممرضين، وخدم المرضى، وهذه نزعة لم تكن مألوفة عند غالبية الأطباء العرب الكبار، في تلك العهود، فقد عرف عن هؤلاء المامهم بأكثر من علم واحد، أجادوا بأكثرها.

و من نسبة المؤلف الى مدينة « الرها » فمن المحتمل أنه من مواليد هذه المدينة، أو ما جاورها، كما يبدو من كثرة ما يردد من ذكر اللّه عزّ وجلّ وأيمانه به، وثقته بعونه، واجلاله لعظمته، أنه نشأ على التقوى، وطاعة الخالق فلا تفوته المناسبة دون ان يذكره بالمنة والأسترحام، وينسب اليه النعم في تدبير أمور الكون، وخلق الانسان، وإبرائه من الأمراض، كما يؤمن بالثواب والعقاب.

لم يكن الرهاوي يهوديا بالتأكيد، كما توهم بعضهم من اسمه الأول، فقد وقع في هذا الخطأ من نسبه الى يهود خيبر كما يلاحظ ذلك في التعليق الذي خطه بعض من قرأ كتابه - أدب الطبيب - على الصفحة الأولى من النسخة المخطوطة التي بين أيدينا.

كانت مدينة الرها في القرن الثالث للهجرة مركزا حضاريا لا معا بما تجمع فيها من آثار اليونانيين قبل المسيحية وبعدها، فاجتذبت اليها الناس من كل صوب وحدب وسرعان ما أبدل هؤلاء اسم المدينة من الاسم اليوناني « أديسا » باسم سرياني « اورهاي » واستمرت هذه المدينة تحتفظ بهذا الأسم حتى يوم خضوعها للمسلمين في سنة 627 للميلاد - بداية القرن الأول للهجرة - ولما استولى عليها العثمانيون في مطلع القرن التاسع للهجرة سموها « أورفه » وموقعها في الوقت الراهن قرب الحدود العراقية السورية التركية.

و تميزت بغداد المعاصرة لمدينة الرها في القرن الثالث للهجرة بكثرة عدد الأطباء وفي بوع بعضهم الطويلة في الطب وفي ممارسته، فلا غرابة أن اجتذبت اليها طلاب المعرفة الطبية، واستثتاجا كان من هؤلاء إسحاق بن علي الرهاوي فتعلم الطب فيها وأتم تعلّمه وربما يكون الرهاوي قد ذكر ذلك في أحد كتبه المفقودة، أما كتابه « أدب الطبيب » فليس فيه ذكر أو اشارة لذلك، وانما قرأنا فيه انه تجوّل من ديار الشام والجزيرة فذكر الرقة، وحلب، والموصل، والشام كما ذكر بغداد باسم دار السلام (عيون الانباء ص 167) وذكرها مرة اخرى في ص 68.

1)المواضع السبعة التى وردت في كتاب عيون الانباء في الصفحات 192، 207، 215، 225، 227، 234، 242.

2)عيون الانباء ص 207. 215.

3)المصدر السابق ص 225.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت