[*] صفحة 087
المرار عليهم اكثر من غلبة البلغم. فهذه الأقاويل بينه في الدلالة على حاجة الطبيب الى تعرف حال البلد الذي يحتاج ان يدبر سكانه، وكذلك أقاويل أخر كثيرة لبقراط لم أر 212باطالة هذا الباب بذكرها اذ كان فيما احضرته كفاية لمن له قريحة وسيبعثه ذلك على طلب ما لم تذكره في مواضعه، ليكمل هذا الباب وللّه الحمد كثيرا.
و اذا كانت اعمال الناس وصنائعهم لها من القوة في احالة الأبدان ونقلها من كيفيات الى اضدادها كالمزاج الحار يصير باردا، والبارد حارا، والرطب يابسا واليابس رطبا، والليّن صلبا، والصلب لينا وغير هذه من المتضادات فلذلك يلزم الطبيب ان يعلم ما تفعله كل صناعة من الصنائع في مزاج كل واحد من الناس الصحيح منهم والمريض ليحفظ الصحيح بما شابهه ويشفي المريض بما ضاده، فالصنايع التي تعاني النار والشمس مثلا تكسب الأمزجة الحرارة كصنايع السباكين والحدادين والزجاجين والكلاّسين واشباه هذه من المهن فان هذه ونظايرها تفعل في الابدان بحرارة النار وقربهم منها وبالبعث في معاناتها وأحتداد هذه الصناعة في تبريد الابدان للصنايع التي تعاني الماء كالغواصين والملاحين والصيادين في الماء ونظاير هذه الصنايع. فأما الصنايع التي تيبس الأبدان فهي الكثيرة الكدّ والتعب وخاصة في الشمس كالبنائين وقطاعي الحجارة والنجارين والمصارعين والنقالين ونظائر هذه. فأما التي ترطب الأبدان فذوات الدعة وقلة التعب والتي يتوفر فيها اللذات على البدن كمهنة العطر ومهنة الموسيقى والمدمنين على الحمامات ونظاير هذه وما ينبغي للطبيب ان يعنى بمعرفة أمر الصنايع ذوات الكيفية الرديئة المضرة بالأبدان وما نوع الضرب الداخل منها على جملة البدن وعلى عضو عضو من اعضائه كالصنايع التي تقوم منها الروائح الرديئة مثل الدباغة وتنقية طرق المياه والاثفال فان هذه وما ماثلها تضر بالحواس وبالدماغ وخاصة اذا اتصلت وتتابعت وكالغربلة للحبوب ودقّ الكتان ومشطه وعمل الصابون والصنايع التي يعاني اربابها الدخان كثيرا فان هذه وما اشبهها كثيرا ما تضرّ بالصدر والرئة وتكسب ضيق
212ب) وردت في الاصل (ارى) والصحيح ما اثبتناه.