فهذه الأحاديث تدل على أن الديون تؤدى بمثلها لا بقيمتها، ويؤدى عند تعذر المثل بما يقوم
مقامه وهو سعر الصرف يوم الأداء لا يوم ثبوت الدَّيْن (1) .
ثالثا: العقود المشروعة لا تشتمل على جهالة تفضي إلى الخلاف والنزاع، وعليه فإن القول
برد المثل ليس فيه أي جهالة بخلاف ردها بالقيمة، فإن ذلك يجعل المقرض لا يدري ماذا سيأخذ
والمقترض بماذا سيطالب، ولا يدري الإثنان المقياس الذي يلجآن إليه عند الخلاف في القول
بالزيادة أو النقصان وتحديد ذلك.
رابعا: القول باعتماد القيمة يؤدي إلى تحطيم النقود كنقود بالتالي تترتب على ذلك مشاكل لا
عد لها ولا حصر.
خامسا: القرض عقد إرفاق له ثوابه وجزاؤه من عند الله عز وجل، وقد ينتهي بتصدق الدائن
على المدين، قال تعالى: (وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ) (2) ، فكيف اتجهت الأنظار إلى المقترض بالذات
ليتحمل فروق التضخم ومساوئ النظام النقدي المعاصر (3) .
سادسا: زيادة التضخم تعني: انخفاض قيمة النقود، ويلاحظ أن هذه الزيادة تفوق ما تحققه
المصارف الإسلامية من أرباح وما تحدده البنوك الربوية من ربا، فلو أن القرض يرد بقيمته،
فلا حاجة للاستثمار وللتعامل مع البنوك، ويكفي أن نعطي الأموال مقترضا يحتفظ لنا بقيمة
القرض ويتحمل زيادة التضخم التي تصل أحيانا إلى مئات في المائة.
سابعا: إن فكرة القيمة الحقيقية ليست فكرة علمية قائمة على أسس متينة، وإنما هي فكرة
ظهرت لمواجهة أضرار التضخم دون النظر إلى لوازمها المنطقية وعواقبها الأخرى، وإن مثل
هذه الفكرة لها مجال في النظام المالي الذي يقوم على أساس الربا، وأما في النظام الذي يريد
(1) شبير: المعاملات المالية المعاصرة، ص 198.
(2) سورة البقرة، آية (280) .
(3) السالوس، د. علي أحمد: الاقتصاد الإسلامي والقضايا الفقهية المعاصرة، دار الثقافة، الدوحة- قطر، مؤسسة الريان،
بيروت، لبنان، (1416 ه، 1996 م) ، ج 1، ص 540.