عرضه وعقوبته، وقد فسّر البخاري -رحمه الله- حل العرض بأن يقول الدائن عن المدين: أنه
مطلني، أو لم يعطني حقي، أو أكل مالي إلى غير ذلك، بمعنى أن يذكر الظلم الذي وقع منه
والتعنت في الوفاء والطرق الملتوية التي سلكها أو حاول سلوكها معه في خصوص ما عليه من
دَين، إذ المظلوم لا يجوز أن يذكر ظالمه إلا بالنوع الذي ظلمه دون غيره، لقوله تعالى:(لَا يُحِبُّ اللَّهُ
الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ) (1) ، وأما عن عقوبته فالمراد منها: أن القاضي له
أن يعزره لامتناعه عن الوفاء مع قدرته عليه، وهذا التعزير قد يصل إلى حبسه (2) ، وعلى ذلك
فأرجو ألا يكون هناك مانع من الحكم عليه بتعويض الدائن عن الأضرار التي لحقت به، وعلى
الأخص في حالة تغير قيمة النقود، حيث تسبب المدين المماطل في إلحاق الضرر بالدائن، حيث
انخفضت قيمة العملة وانتقص دون شك حق الدائن (3) ، وهذا الرأي هو رأي الشيخ عبد الله بن
منيع، حيث ذهب إلى أن هبوط القوة الشرائية للنقد الورقي إذا وقع بعد امتناع المدين عن سداد
ما عليه من الدَّيْن بعد حلول أجله مع القدرة واليسار، فإنه يقتضي إلزامه بتعويض الدائن عن
نسبة الانخفاض في القوة الشرائية للنقد، جبرًا لما فات الدائن من نقص نتيجة مطله بالباطل من
باب الغصب، وقد حاول تخريج ذلك على قول الحنابلة والمالكية (خلافا لجماهير أهل العلم) بأن
قيمة المغصوب -وما في حكمه- إذا نقصت في يد الغاصب، فإنه يلزم الغاصب ضمان نقصانها
لتعديه (4) .
القول الخامس: ذهب بعض المعاصرين ومنهم الشيخ مصطفى الزرقاء، والدكتور محمد فتحي
الدريني، إلى أنه: في حالة تغير قيمة النقود فإن الحل العادل يكمن في توزيع الخسارة على
طرفي العقد، فلا يتحملها الدائن وحده ولا المدين وحده، وقد صرح الدكتور محمد فتحي الدريني
أن هذا القول مستمد من الفقه الحنفي، وتحديدًا من قول ابن عابدين في كتابه تنبيه الرقود على
مسائل النقود حيث أنه يرى أن الحل عند رخص النقود وغلائها هو الصلح على الأوسط، هكذا
(1) سورة النساء، آية (148) .
(2) الصنعاني، محمد بن اسماعيل، سبل السلام شرح بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام، دار المعرفة، بيروت- لبنان،
ط 3، (1417 ه- 1997 م) ، ج 3، ص 312.
(3) مجلة مجمع الفقه الإسلامي بجدة، الدورة الخامسة، العدد الخامس، الجزء الثالث، بحث الأستاذ الدكتور يوسف محمود
قاسم، ص 1713.
(4) نقله حماد في كتابه: قضايا فقهية معاصرة في المال والاقتصاد، ص 500.