وقد قال الشافعية:"إن الرد في قرض الفلوس إنما يكون بالمثل فقط في جميع الأحوال، ليس ذلك"
بناء على أنها نقود، وإنما على أساس إنها من المثليات لأنها من الموزونات" (1) ، ووجهة نظر"
الشافعية والمالكية على المشهور عندهم في وجوب رد المثل في الفلوس إذا كسدت، هو أن هذا
الكساد يعتبر كجائحة نزلت بالدائن ولا فرق في ذلك، بين أن يكون الدَّيْن قرضًا أو ثمن مبيع أو
غير ذلك، قال الرملي:"ولو أبطل السلطان ما باع به أو أقرضه لم يكن له غيره بحال" (2) ، وقال
أيضًا:"ويرد المثل في المثلي لأنه أقرب إلى حقه، ولو في نقد بطلت المعاملة به، فشمل ذلك ما"
عمت به البلوى في زماننا في الديار المصرية من إقراض الفلوس الجدد ثم أبطالها وإخراج
غيرها وإن لم تكن نقدًا" (3) ."
وجاء في منح الجليل لعليش:"ومن ابتاع بنقد أو اقترضه ثم بطل التعامل به، لم يكن عليه غيره"
إن وجد، ومن اقترض دنانير أو دراهم أو فلوسًا أو باع بها وهي سكة معروفة، ثم غير السلطان
السكة وأبدلها بغيرها، فإنما عليه مثل السكة التي قبضها ولزمته يوم العقد، وفيها -أي المدونة-
ومن أسلفته فلوسًا فأخذت بها رهنًا فكسدت الفلوس، فليس لك عليه إلا مثل فلوسك، ويأخذ رهنه
وإن بعته سلعة بفلوس إلى أجل، فإنما لك مثل هذه الفلوس يوم البيع، ولا يلتفت لكسادها" (4) ."
المذهب الثاني: ذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنه إذا كسدت الفلوس بأن بطل تداولها في البلاد أو
انقطعت، فالبيع فاسد ويجب الفسخ ما دام ممكنًا، ويجب رد المبيع إن كان قائمًا ومثله إن كان
هالكًا ومثليًا، وإلا فقيمته، لأنه بالكساد خرجت الفلوس عن كونها ثمنًا، لأن ثمنيتها بالاصطلاح،
فإذا ترك الناس التعامل بها فإنه تزول عنها صفة الثمنية فيبقى المبيع بلا ثمن، فيفسد البيع هذا
إن كان العقد بيعًا، أما إذا كان دينًا في قرض أو مهر مؤجل، فيجب رد مثله ولو كان كاسدًا لأنه
الثابت في الذمة لا غيره (5) ، وحجة الإمام أبي حنيفة -رحمه الله- كما بينها الزيلعي هي:"أن"
(1) الشافعي: الأم، ج 3، ص 28.
(2) الرملي: نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، ج 3، ص 399.
(3) المرجع السابق، ج 4، ص 223.
(4) عليش: منح الجليل على مختصر الخليل، ج 2، ص 534.
(5) الكاساني، علاء الدَّيْن أبو بكر بن مسعود: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، ط 2،
(1406 ه، 1986 م) ، ج 7، ص 3244.