القرض إعارة وموجبها رد العين معنى، وذلك يتحقق برد مثله ولو صار كاسد ًا، لأن الثمنية
زيادة فيه، حيث إن صحة العقد 0 لا تعتمد الثمنية بل تعتمد المثل، وبالكساد لم يخرج من أن يكون
مثلًا ولهذا صح استقراضه بعد الكساد، وصح استقراض ما ليس بثمن كالجوز والبيض والمكيل
والموزون وإن لم يكن ثمنًا، ولولا أنه إعارة في المعنى لما صح، لأنه مبادلة الجنس بالجنس
نسيئة، وأنه حرام فصار المردود عين المقبوض حكمًا، فلا يشترط فيه الرواج كرد العين
المغصوبة، والقرض كالغصب إذ هو مضمون بمثله" (1) ."
وقد جاء في بدائع الصنائع:"ولو اشترى بفلوس نافقة ثم كسدت قبل القبض انفسخ عند أبي"
حنيفة، وعلى المشتري رد المبيع إن كان قائمًا وقيمته أو مثله إن كان هالكًا" (2) ، وجاء فيه أيضا:"
"ولو استقرض فلوسًا نافقة وقبضها فكسدت، فعليه رد مثل ما قبض من الفلوس عددا في قول"
أبي حنيفة" (3) ."
المذهب الثالث: ذهب الحنابلة والمالكية في مقابل المشهور والصاحبان من الحنفية إلى أن
الفلوس إذا كسدت ترد القيمة، واختلفوا في وقت تقدير القيمة، فذهب جمهور القائلين بهذا الرأي
إلى أن الوقت يوم القبض أو يوم التعامل، وهو كذلك للإمام أبي يوسف فيما يظهر، واشترط
بعض المالكية أن يكون يوم القبض من النقد الرائج، وذهب الإمام محمد بن الحسن من الحنفية
وبعض الحنابلة إلى أن وقت تقدير القيمة هو وقت الكساد وترك المعاملة في آخر نفاق الفلوس،
وهناك قول عند الحنابلة أن وقت تقدير القيمة هو وقت الخصومة (4) .
قال الحنابلة:"وإن كان القرض فلوسًا أو مكسرة فحرمها السلطان وتركت المعاملة بها، كان"
للمقرض قيمتها ولم يلزمه قبولها، سواء كانت قائمة في يده أو استهلكها، لأنها تعيبت في ملكه،
(1) الزيلعي: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، دار المعرفة، بيروت- لبنان، ج 4، ص 144.
(2) الكاساني: بدائع الصنائع، ج 7، ص 3244.
(3) المرجع السابق، ج 7، ص 3244.
(4) المرداوي، علاء الدَّيْن علي بن سليمان: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، دار
الكتب العلمية، بيروت- لبنان، ط 1، (1418 ه، 1997 م) ، ج 5، ص 113.