* ترجيح:
وبعد عرض أقوال الفقهاء في مسألة الكساد العام للفلوس، يتبين لي -والله أعلم - أن
القول الراجح هو قول الحنابلة والمالكية في مقابل المشهور والصاحبين من الحنفية، إن الفلوس
إذا كسدت ُترد القيمة، والراجح في وقت تقدير القيمة هو قول محمد بن الحسن من الحنفية
وبعض الحنابلة أن وقت تقدير القيمة هو وقت الكساد وترك المعاملة بالفلوس.
القسم الثاني: الكساد الإقليمي للنقد الاصطلاحي (الفلوس) : وذلك بأن يكسد النقد في بعض
البلاد لا في جميعها، ومثله في عصرنا الحاضر العملات التي تصدرها بعض الدول وتمنع
تداولها في خارج حدود أراضيها، ففي هذه الحالة إذا اشترى شخص بنقد نافق ثم كسد في البلد
الذي وقع فيه البيع قبل الأداء فإن البيع لا يفسد، ويكون البائع بالخيار بين أن يطالبه بالنقد الذي
وقع به البيع وبين أخذ قيمة ذلك النقد من عملة رائجة، وهذا هو القول المعتمد في مذهب
الحنفية (1) ، جاء في عيون المسائل:"وعدم الرواج إنما يوجب الفساد إذا كان لا يروج في جميع"
البلدان على رأي الإمام أبي حنيفة، لأنه حينئذ يصير هالكًا ويبقى المبيع بلا ثمن، فأما إذا كان لا
يروج في هذه البلدة فقط ويروج في غيرها فلا يفسد البيع لأنه لم يهلك، ولكنه تعيب فكان للبائع
الخيار، إن شاء قال أعطني مثل النقد الذي وقع عليه البيع، وإن شاء أخذ قيمة ذلك دنانير" (2) ،"
قال ابن عابدين:"وإن كانت تروج في بعض البلاد لا يبطل، ولكنه يتعيب إذا لم يرج في بلدهم"
فيتخير البائع: إن شاء أخذه وإن شاء أخذ قيمته" (3) ."
ونقل عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن أنه يجري في الكساد المحلي حكم الكساد العام، أي أنه
إذا كسد النقد في بلدة واحدة فيجري عليه فيها حكم الكساد العام في سائر البلاد، اعتبارًا
لاصطلاح أهل تلك البلدة، وهذا لم يرو عنهما بطريق معتمد (4) .
(1) الزيلعي: تبيين الحقائق، ج 4، ص 143.
(2) ابن عابدين: تنبيه الرقود على مسائل النقود، ج 2، ص 59.
(3) المرجع السابق، ج 2، ص 60.
(4) ابن عابدين، حاشية رد المحتار، ج 7، ص 55.