القول الثالث: ذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن الانقطاع كالكساد يوجب فساد البيع (1) ، ويجب رد
المبيع على البائع وفي القرض يجب رد مثل الفلوس التي استقرضها وإن انقطعت، نقل ابن
عابدين قول التمرتاشي في رسالته بذل المجهود في مسألة تغير النقود:"والانقطاع عن أيدي"
الناس كالكساد، وحكم الدراهم كذلك، فإذا اشترى بالدراهم ثم كسدت أو انقطعت بطل البيع،
ويجب على المشتري رد المبيع إن كان قائمًا، ومثله إن كان هالكًا وكان مثليًا، وإلا فقيمته، وإن
لم يكن مقبوضًا فلا حكم لهذا البيع أصلًا، وهذا عند الإمام الأعظم أبي حنيفة، وقالا (2) : لا يبطل
البيع، لأن المتعذر إنما هو التسليم بعد الكساد، وذلك لا يوجب الفساد لاحتمال الزوال
بالرواج" (3) ، وقال ابن عابدين:"إن في الانقطاع قولين: الأول: فساد البيع كما في صورة الفساد
." (وهو رأي الإمام، والثاني: إنَّه يجب قيمة المنقطع في آخر يوم انقطع وهو المختار(4) ."
القول الرابع: ذهب الشافعية والمالكية إلى أنه إن أمكن الحصول على ذلك النقد مع فقدانه
وانقطاعه فيجب الوفاء به وإلا فتجب قيمته، سواء أكان دينُ قرض أو ثمنُ مبيع أو غير ذلك،
لكن أصحاب هذا القول اختلفوا في الوقت الذي تقدر فيه القيمة عندما يصار إليها:
فقال الشافعية:"تجب القيمة في وقت المطالبة" (5) ، قال الرملي:"فإن ُفقِدَ وله مِثْلٌ وَجَبَ، وإلا"
فقيمته وقت المطالبة، وهذه المسألة قد عمت بها البلوى في زماننا في الديار المصرية في
الفلوس" (6) ، وقال السيوطي:"إن عدمت الفلوس العتق فلم توجد أصلًا رجع إلى قدر قيمتها من
الذهب والفضة ويعتبر ذلك وقت المطالبة" (7) ."
(1) الزيلعي: تبيين الحقائق، ج 4، ص 142.
(2) وقالا: أي أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني.
(3) ابن عابدين: تنبيه الرقود، ج 2، ص 59.
(4) المرجع السابق، ج 2، ص 58.
(5) الهيثمي، ابن حجر: تحفة المحتاج بشرح المنهاج، دار صادر، بيروت- لبنان، ج 4، ص 258.
(6) الرملي: نهاية المحتاج، ج 3، ص 399.
(7) نقله حماد في كتابه: دراسات في أصول المداينات، ص 76.