سابعا: المصلحة أو الضرورة على رأي الحنفية، وبيان ذلك: إن القياس الجلي في الرخص
والغلاء يقتضي رد المثل في الفلوس، لأنها قيست على الدراهم والدنانير التي يجب فيها بالاتفاق
رد المثل بجامع الثمنية في الإلحاق، وهي العلة المتعدية لكننا تركنا القياس الجلي إلى الاستحسان
وهو القياس الخفي، الذي يقتضي رد القيمة بدليل المصلحة والضرورة، والعلة الخفية التي بني
عليها الاستحسان هنا، إن اجتماع الفلوس مع الدراهم والدنانير في علة الثمنية لا يمنع من حيث
آثار كل أن يختلفا في قيمة هذه الثمنية، فالدراهم والدنانير لا تبطل ثمنيتها بحال وهي بأصل
الخلقة ثمن ورخصها اليسير جدا لا قيمة له، فلا يترتب ضرر محقق للعاقدين حتى يجب رفعه،
بخلاف الفلوس والأوراق النقدية، فقد تبطل ثمنيتها وقد ترخص كثيرا فينظر حينئذ إلى ما انبنى
عليها من آثار شغل الذمم، فقد فارقت في هذا الحال مماثلة الدراهم والدنانير صورة برخص
قيمتها، ولم تفارق حقيقة في مقدار ما شغلت به الذمة مما اصطلح عليه حين العقد، وأن لم يقبل
هذا في مفارقة الفلوس الدراهم والدنانير، فيمكن اعتبار المفارقة استحسان للمص لحة أو
الضرورة على رأي الحنفية (1) .
ثامنا: إن الفقهاء عندما يتحدثون عن الغلاء والرخص في النقود فإنهم يشيرون إلى علاقة النقود
الرائجة بالذهب والفضة، لأنها هي عندهم النقود بالخلقة وهي الأثمان التي إليها تنسب النقود
وتقاس عليها، ولم يتحدثوا أبدًا عن علاقة بين النقود والمستوى العام للأسعار، أي أثمان جميع
الأشياء، أما الغلاء والرخص للنقود في زمننا الحاضر فمفهومها مختلف عما سبق، وهي لا
تخلو أن تكون أحد أمرين بينهما اتصال كبير:
1 -أنها تشير إلى علاقة العملة المحلية بسلة من العملات الدولية أو بعملة خارجية، مثل أن
يتغير سعر صرف العملة المحلية مقابل الدولار أو المارك مثلًا، أو علاقتها بحقوق السحب
الخاصة، فيقال كانت الليرة تساوي دولارًا في سنة كذا وهي اليوم ألف ليرة بدولار الخ.
2 -أنها تشير إلى التغيرات التي تطرأ على ما يسمى بمؤشر تكاليف المعيشة والذي يفترض أنه
يقيس التغير في القوة الشرائية للنقود أو المستوى العام للأسعار، فيقال: كان يكفي المواطن
(1) بحث الدكتور محمد عبد اللطيف الفرفور المقدم إلى مجمع الفقه الإسلامي المشار إليه سابقا.