فلتعرف الواجب والمحالا ... وجائزا في حقه تعالى
فعلمها فرض علينا شرعا ... ومثلها في حق رسل ترعى
(ينجلي) أي: ينكشف ويتضح كالحكم بثبوت الوحدانية لواجب بالذات فإنه يحتاج إلى نظر عقلي بأن لو تعدد واجب الوجود بالذات لما وجد ممكن أصلا وهذه مقدمة أولى، وبيانها أن الممكن لا يوجد إلا بالواجب، فلو تعدد الواجب لوجد الممكن وجدين أو أكثر وهو محال أو وجود واحدا فيكون بواجب واحد وبقية الواجبات لا تأثير فتنقلب ممكنات لمنع الواجب لها عن التأثير.
ويقال في المقدمة الثانية: والممكنات موجودات في الحس والعقل وهي لا تحتج إلى البيان فالنتيجة أن واجب الوجود بالذات واحد فهذا حكم نظري لا يدرك إلا بعد استعمال الفكر والنظر العقلي وهكذا جميع المسائل الاعتقادية النظرية على هذا المنوال.
(فالتعرف) أيها المكلف وهو أمر بلام الأمر الجازمة. (الواجب) من الصفات (ومحالا) بألف الإطلاق، أي: المستحيلات من الأوصاف (وجائزا) أي: وصفا يجوز أن يتصف به، وأن لا يتصف. (في حقه) أي: الله (تعالى) وتقدس وهو معرفة ما يجب في حق الله تعالى. (فرض) عين (علينا) معشر المكلفين (شرعا) أي: من جهة الشرع لا عقلا.
قال في كتاب الانتقاد شرح عمدة الاعتقاد:"الايمان بالله تعالى فرض باتفاق أهل الملة والكفر به حرام، لكنهم اختلفوا في وجوبه بالعقل أصلا ولا يعرف حسن الإيمان وقبح الكفر أصلا بالعقل بل وجوب الإيمان وعرفان حسنه وقبح الكفر لا يحصل إلا بالشرع أي: بالسماع من الشارع."
وقالت المعتزلة: العقل يوجب الإيمان وشكر المنعم ويعرف حسنهما أيضا، وبه عند أصحابنا أئمة أهل السنة والجماعة العقل آلة يعرف بها حسن بعض الأشياء لا كلها وقبح بعض الأشياء. والفرق بيننا وبين المعتزلة أنهم يقولون العقل موجب بذاته مستقل في إيجابه كما يقولون إن العبد موجد لأفعاله، وعندنا العقل آلة للمعرفة والموجب هو الله تعالى في الحقيقة لكن بواسطة العقل يعني لا يوجب الله تعالى شيئا من الفرائض