الصفحة 62 من 180

وفيه بحث برقة قد أومضا ... بعكس وحدانية كما مضى

(بنقضها) أي: هذه الأضداد (جزم) بالبناء للمفعول وبالسكون للميم وهذه الأضداد نقائص والنقص على الله محال.

وقال الشيخ الأكبر محيي الدين بن العربي رضي الله عنه في مثل هذا المقام، من أحسن الكلام: لو لم يبصرك ولو لم يسمعك لجهل كثير منك ونسبة الجهل إليه محال فلا سبيل إلى نفي هاتين الصفتين عنه بحال.

(وفيه) أي: هذا الاستدلال العقلي (بحث) للعلماء (برقة قد أومضا) أي: لمع وظهر. وبيانه أن علماء الكلام قد اختلفوا في السمع الإلهي والبصر الإلهي على ثلاثة أقوال حررناها في كتابنا المطالب الوفية. وملخصها أن بعضهم قال: إنهما ليسا عين العلم وكذا كل واحد منهما ليس عين الآخر، وهو قول الأشعري الأول وهو الحق وعليه فيتم الاستدلال بما ذكر من الدليل العقلي لأن انتفاءهما يلزم منه ثبوت نقيضهما المقتضي لعدم الكشفين الخاصين المستقلين المذكورين وذلك نقص في حق الله تعالى والنقص عليه محال.

وقال بعضهم: إنهما نوعان من الانكشاف العلمي خاصان كل انكشاف منهما يغاير الانكشاف الآخر، ويغايران الانكشاف المطلق العلمي كمغايرة النوع للجنس بالخصوصية، فالسمع علم مخصوص، والبصر علم آخر مخصوص، ومطلق العلم هو الجنس الشامل للكل وهو قول الشيخ الاشعري أيضا في الرواية الثانية عنه.

وعلى هذا القول لا يلزم من ثبوت يقيضهما انتفاء مطلق الكشف العلمي التام فإن الخصوصية إذا زالت عن مطلق الجنس لا يلزم من ثبوت الجنس لا يلزم زوال الجنس، ولا يلزم من فوات الخصوصية لفوات الأنواع فوات الكمال في الجنس لا يلزم زوال الجنس، ولا يلزم من فوات الخصوصية لفوات الأنواع فوات الكمال في الجنس الثابت، إذ الخصوصية قد تكون بالانكشاف الأدنى كما يكون بالانكشاف في الأعلى فلا يتم الدليل العقلي فإنه لا يقاس الكمال الإلهي على الكمال الإنساني كما نقل الخلخالي في بعض رسائله عن بعض اهل البيت النبوي أنه قال في جملة كلام له في الإله تعالى: ولعل النمل الصغار يتوهم أن الله زبانين فإن ذلك كمالها ويتوهم أن عدمها نقصان بل لا يتصف بهما ولا يكونان له وهذا حال العقلاء فيما يصفون الله تعالى به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت