""""""صفحة رقم 125""""""
لحماً ودماً بالاتحاد ، وقالت طائفة منهم: إن الاتحاد هو أنه أودعها بإظهار روح القدس عليه ؛ وقد حكينا عمن قال: يجري هذا الاتحاد مجرى وقوع الهيئة في المرآة والنقش من الخاتم في الشمع وما جرى مجراه ؛ ويقال لهذه الطائفة منهم أن ظهور هذه الصورة في المرآة والشيء الصقيل ليس اختلاط شيء بشيء ولا انتقال شيء إلى شيء ، بل أجرى الله العادة بأن الواحد إذا قابل الشيء الصقيل خلق الله له رؤية يرى بها نفسه ، وأما أن يكون في الصقيل على شيء ، فلا ، أما ترى أنه إن لمس وجهه فوجه نفسه لمس لا وجه ظهر فيه فعلم أنه ليس في المرآة شيء ، وهذا القول يوجب عليهم الإقرار بأنه ليس من القديم سبحانه وتعالى في مريم ولا في عيسى شيء ويبطل عليهم القول بأنه لاهوتي وناسوتي ، وكذلك القول في الخاتم ونقشه مع الشمع فليس يحصل من الفص في الشمع شيء وإنما يتركب الشمع تركيباً من بعضه في بعض ، ثم إن هذا الذي ذكروه كله إنما يجوز بين المتماسين المتجاورين المتلاصقين الجسمين المحدودين الذين يجوز فيهما حلول الحوادث وتغير الأوصاف والله تعالى يتنزه عن ذلك كله ، وأما قولهم إن الكلمة انقلبت لحماً ودماً فلا يجوز لأنه لو جاز ذلك لجاز أن ينقلب القديم محدثاً ، ولو جاز ذلك لجاز انقلاب المحدث قديماً فيبطل الفصل بينهما ، وهذا محال فبطل ما قالوه انتهى .
وقال الإمام فخر الدين الرازي في كتاب المحصل في أصول الدين: مسألة الباري تعالى لا يتحد بغيره لأنه حال الاتحاد إن بقيا موجودين فهما اثنان لا واحد ، وإن صارا معدومين فلم يتحدا بل حدث ثالث ، وإن عدم أحدهما وبقي الآخر فلم يتحد لأن المعدوم لا يتحد بالوجود .
وقال الإمام أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي صاحب الحاوي الكبير في مناظرة ناظرها لبعض النصارى في ذلك [ القائل ] بالحلول أو الاتحاد: ليس من المسلمين بالشريعة بل في الظاهر والتسمية ولا ينفع التنزيه مع القول بالاتحاد والحلول فإن دعوى التنزيه مع ذلك إلحاد ، وكيف يصح توحيد مع اعتقاد أنه سبحانه حل في البشر المأخوذ من مريم ، وهنالك حلوله إما حلول عرض في جوهر فيقولون بأنه عرض ، أو حلول تداخل الأجسام فهو جسم ، وهنالك إن حل كله فقد انحصر في القالب البشري وصار ذا نهاية وبداية أو بعضه فقد انقسم وتبعض وكل هذه الأمور أباطيل وتضاليل .
وقال القاضي عياض في الشفا ما معناه: أجمع المسلمون على كفر أصحاب الحلول ومن ادعى حلول الباري سبحانه في أحد الأشخاص كقول بعض المتصوفة ، والباطنية ، والنصارى ، والقرامطة ، وقال في موضع آخر: ما عرف الله من شبهه وجسمه من اليهود أو أجاز عليه الحلول والانتقال والامتزاج من النصارى ، ونقله عنه النووي في شرح مسلم . وقال القاضي ناصر الدين البيضاوي في تفسيره في قوله تعالى: ) لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ( هذا قول اليعقوبية القائلين بالاتحاد ، وقال في قوله تعالى: ) أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه ( أي ألا يتوبون بالانتهاء عن