فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 130""""""
ذلك الفعل وميله إليه ورضاه به الذي هو مخلوق لله تعالى أيضاً لا على وجه الإكراه والإلجاء إليه .
والحاصل أن الله تعالى خلق للعبد قدرة بها يميل ويفعل ، فالخلق من الله والميل والفعل من العبد صادران عن تقدير الله له ذلك فهما أثر الخلق والقدرة ، فالاختيار المنسوب للعبد المفسر بما ذكرناه أثر الاختيار المنسوب إلى الله تعالى فافترقا ، ولا إنكار في ذلك ولا معارضة فيه للآية وبهذا يتميز أهل السنة عن أهل القدر ، والجبر معاً ، قال الأصبهاني في تفسيره عند قوله تعالى: ) ونمدهم في طغيانهم ( اعلم أن كل فعل صدر من العبد بالاختيار فله اعتباران إن نظرت إلى وجوده وحدوثه وما هو عليه من وجوه التخصيص فانسب ذلك إلى قدرة الله وإرادته لا شريك له ، وإن نظرت إلى تميزه عن القسري الضروري فانسبه من هذه الجهة إلى العبد وهي النسبة المعبر عنها شرعاً بالكسب في قوله تعالى: ) لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ( وقوله: ) بما كسبت أيديهم ( وهي المحققة أيضاً إذا عرضت في ذهنك الحركتين الاضطرارية كالرعشة والاختيارية فإنك تميز بينهما لا محالة بتلك النسبة ، فإذا تقرر تعدد الاعتبار فمدهم في الطغيان مخلوق لله تعالى فأضافه إليه ، ومن حيث كونه واقعاً منهم على وجه الاختيار المعبر عنه بالكسب إضافه إليهم انتهى ، وقال في موضع آخر منه: صفة الإرادة للعبد هي القصد .
فهذا تحرير مذهب أهل السنة ، وحاصله أن الاختيار المنسوب إلى العبد هو قصده لذلك الفعل وتوجهه إليه برضا منه وإرادة له وكونه لم يفعله بإلجاء ولا إكراه ولا قسر فتأمل ذلك وافهم ترشد .
مسألة: هل العقل أفضل من العلم الحادث أم العلم ؟ .
الجواب: هذه المسألة اختلف فيها العلماء ورجحوا تفضيل العلم ، لأن الباري تعالى يوصف بصفة العلم ولا يوصف بصفة العقل ، وما ساغ وصفه تعالى به أفضل مما لم يسغ ، وإن كان العلم الذي يوصف به تعالى قديماً ووصفنا حادث فإن الباري لا يوصف بصفة العقل أصلاً ولا على جهة القدم ، ومن الأدلة على تفضيل العلم أن متعلقه أشرف ، وأنه ورد بفضله أحاديث كثيرة صحيحة وحسنة ولم يرد في فضل العقل حديث وكل ما يروى فيه موضوع كذب ، وكان شيخنا العلامة محيي الدين الكافيجي يقول: العقل أفضل باعتبار كونه [ أقرب إلى الإفضاء إلى معرفة الله وصفاته ، والعقل أفضل باعتبار كونه ] منبعاً للعلم وأصلاً له ، وحاصله أن فضيلة العلم بالذات وفضيلة العقل بالوسيلة للعلم .