الصفحة 72 من 109

كما أهلكتهم» [1] فيتأفف من قناعتها ... ويقول لها دائمًا: ستعيشين طوال حياتك هكذا تحبين الفقر ... لم يقف أبي عند هذا الحد، فقد أخذ يجمع الأموال من هنا وهناك إلى أن تجمعت في يديه ثروة هائلة ... وفي الوقت الذي كان يبخل فيه على أسرته بملبس أو طعام من باب الاقتصاد، كان يبعثر الأموال الطائلة على زملاء العمل، وأصحاب رؤوس الأموال، وذلك للمصالح المتبادلة كما يزعم، وكان لا يتم ذلك إلا في الفنادق، أو المطاعم الفاخرة، لأن منزلنا المتواضع ليس أهلًا لمثل هذه الشخصيات البارزة ... لقد تغير أبي تمامًا، أصبحت الدنيا، والمؤسسات، والشركات، والعقارات أكبر همه ... أصبح التفاخر والتعالي سمته ... أصبحت المظاهر البراقة الزائفة جل اهتمامه ... غفل أن هذه الحياة زائلة، وأن متاعها فانٍ ... كم ذكرته بذلك ... كم خوفته من الموت ... ولكنه كان يعرض ولا يتعظ، تزوج بأخرى وبالطبع كانت قريبة لأحد الأثرياء ... أسكنها في قصر فخم، وأثاث وثير، ولديها الخدم والحشم ... بينما نحن لا نجد أحيانًا لقمة العيش فقد تركنا ورحل ... ونسي أو تناسى أنه خلف وراءه زوجة مريضة ... وأبناء يتضورون جوعًا ... لقد ترك أمي التي صبرت عليه، وتحملته، وعاشت معه على القناعة والرضا والكفاف ... تركها وهي

(1) رواه البخاري ومسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت