قال أبو محمد ابن قتيبة: وحدثني رجل من أصحاب الأخبار أن - أبا جعفر - المنصور سمر ذات ليلة، فذكر خلفاء بني أمية وسيرتهم، وأنهم لم يزالوا على استقامة حتى أفضى أمرهم إلى أبنائهم المترفين [1] ، فكان همهم من عظيم شأن الملك وجلالة قدره قصد الشهوات، وإيثار اللذات، والدخول في معاصي الله عز وجل ومساخطه، جهلًا منهم باستدراج الله تعالى، وأمنًا من مكره تعالى، فسلبهم الله تعالى الملك والعز، ونقل عنهم النعمة.
فقال صالح بن علي لأبي جعفر: يا أمير المؤمنين إن عبد الله بن مروان لما دخل أرض النوبة هاربًا فيمن اتبعه، سأل ملك النوبة عنهم، فأخبر، فركب إلى عبد الله فكلمه بكلام عجيب في هذا النحو لا أحفظه، وأزعجه [2] عن بلده، فإن رأى أمير المؤمنين أن يدعو به من الحبس بحضرتنا في هذه الليلة ويسأله عن ذلك.
فأمر المنصور بإحضاره وسأله عن القصة.
فقال: يا أمير المؤمنين قدمت أرض النوبة بأثاث سلم لي فافترشته بها وأقمت ثلاثًا، فأتاني ملك النوبة - وقد
(1) في القاموس المحيط: أترفته النعمة: أطغته.
(2) أي: أخرجه.