عاد من حلب، وسمع ما فيه ملك الروم من كثرة الجموع، فلم يتمكن من جمع العساكر لبعدها وقرب العدو، فسير الأثقال مع زوجته ونظام الملك إلى همدان، وسار هو فيمن عنده من العساكر وهم خمسة عشر ألف فارس، وجدّ في السير وقال لهم: إنني أقاتل محتسبًا صابرًا، فإن سلمت فنعمة من الله تعالى، وإن كانت الشهادة فإن ابني ملكشاه [1] ولي عهدي، وساروا، فلما قارب العدو جعل له مقدمة، فصادفت مقدمته عند خلاط مقدم الروسية في نحو عشرة آلاف من الروم، فاقتتلوا، فانهزمت الروسية وأسر مقدمهم، وحمل إلى السلطان فجدع أنفه، وأنفذ بالسلب إلى نظام الملك، وأمره أن يرسله إلى بغداد، فلما تقارب العسكران أرسل السلطان إلى ملك الروم يطلب منه المهادنة، فقال: لا هدنة إلا بالري [2] ، فانزعج السلطان لذلك، فقال له إمامه وفقيهه أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري الحنفي: إنك تقاتل عن دين وعد الله بنصره وإظهاره على سائر الأديان، وأرجو أن يكون الله تعالى قد كتب الخطباء على المنابر، فإنهم يدعون للمجاهدين بالنصر، والدعاء مقرون بالإجابة.
(1) حكم ملكشاه بعد أبيه ألب أرسلان عشرين سنة كانت من ألمع الحقب.
(2) من أشهر مدن خراسان، ينسب إليها الإمام فخر الدين الرازي.