مفوض مفكرًا، وجعل ظالم يتأمل مسكن مفوض، فرأى من سعته وطيب هوائه وحصانته، ما اشتد به حرصه عليه، وطفق يدبر الحيلة في اغتصابه ونفي مفوض عنه.
فلما أصبحا قال مفوض لظالم: إني رأيت ذلك الجحر بعيدًا من الشجر والماء، فاصرف نفسك عنه، وهلم أعينك على احتفار جحر في هذا المكان المشتهي. فقال ظالم: هذا غير ممكن؛ لأن لي نفسًا تهلك لبعد الوطن حنينًا، فلما سمع مفوض مقالة ظالم، وما تظاهر به من الرغبة في وطنه قال له: إني أرى أن نذهب يومنا هذا فنحتطب حطبًا ونربط منه حزمتين، فإذا جاء الليل انطلقنا إلى بعض هذه الخيام، فأخذنا قبس نار، واحتملنا الحطب والقبس إلى مسكنك، فنجعل الحزمتين في بابه، وتضرم النار؛ فإن خرجت الحية احترقت، وإن لزمت الجحر قتلها الدخان. فقال له ظالم: هذا نعم الرأي.
فذهبا واحتطبا حزمتين، ولما جاء الليل، انطلق مفوض إلى ظاهر تلك الخيام، فأخذ قبسًا، فعمد ظالم إلى إحدى الحزمتين فأزالها إلى موضع غيبها فيه، ثم جر الحزمة الأخرى إلى باب مسكن مفوض فسده بها سدًا محكمًا، وقدر في نفسه أن مفوضًا إذا أتى الجحر لم يمكنه الدخول إليه لحصانته؛ فإذا يئس منه ذهب فنظر لنفسه مأوى. وكان ظالم قد رأى في منزل مفوض طعامًا ادخره لنفسه، فعول ظالم على أنه يقتات به إن حاصره