قلتُ: يا أبت ما هذا الكتاب؟ فاحمرَّ وجهُه وقال: رفعته منك ... ثم قال: تذهب بجوابه. فكتب إلى الرجل: وصل كتابك إليَّ ونحن في عافية؛ فأما الدين فإنه لرجل لا يرهقنا، وأما عيالنا فهم في نعمة والحمد لله.
فلما كان بعد حين ورد كتاب الرجل بمثل ذلك، فردَّ عليه الجواب بمثل ما ردَّ، فلما مضت سنة أو أقل أو أكثر ذكرناها فقال: لو كنا قبلناها ما كانت قد ذهبت [1] .
وقال عبد الله كذلك: مكث أبي بالعسكر عند الخليفة ستة عشر يومًا، ما ذاق إلا مقدار ربع سويق [2] ، كل ليلة كان يشرب شربة ماء، وفي كل ثلاث ليال يستف حفنة من السويق، فرجع إلى البيت، ولم ترجع إليه نفسه إلا بعد ستة أشهر.
قال إدريس الحداد: لما زالت المحنة، وصرف أحمد إلى بيته، حمل إليه مال كثير جزيل، وهو محتاجٌ إلى أيسره، فردَّ جميع ذلك ولم يقبل منه قليلًا ولا كثيرًا، فجعل عمُّه إسحاق يحسب ما ردَّه في ذلك اليوم فكان خمسين ألف دينار.
فقال أحمد: يا عمّ! أراك مشغولًا بحساب ما لا يفيدك؟!
(1) صفة الصفوة (1/ 520، 521) . وتهذيب الحلية (3/ 142) .
(2) السويق: طعام يتخذ من مدقوق الحنطة والشعير.