لآرائهم أو يتركون الاستفادة من غيرهم خشية الانتقاص أو زوال مكانتهم من النفوس؛ بل كانوا يكرهون الشهرة، ولولا نشر العلم لآثروا الانفراد والعزلة.
وعن زهير بن حرب قال: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل أشد قلبًا منه أن يكون قام ذلك المقام، ويرى ما يمرّ به من الضرب والقتل.
قال: وما قام أحدٌ مثلما قام أحمد، امتحن كذا كذا سنة، وطلب، فما ثبت أحدٌ على ما ثبت عليه [1] .
وعن شجاع بن مخلد قال: كنتُ عند أبي الوليد الطيالسي، فورد عليه كتاب أحمد بن حنبل، فسمعته يقول: ما بالبصرتين - يعني البصرة والكوفة - أحد أحبّ إليَّ من أحمد بن حنبل، ولا أرفع قدرًا في نفسي منه [2] .
وعن مهنا بن يحيى قال: رأيت يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري حين أخرج أحمد بن حنبل من الحبس، وهو يقبِّل جبهة أحمد ووجهه، ورأيت سليمان بن داود الهاشمي يقبّل جبهة أحمد بن حنبل ورأسه.
وقيل: لما جرى على الإمام أحمد ما جرى، وثبت في المحنة، حببه الله إلى أهل الشرق والغرب، ولم يزل أحمد بن حنبل بعد ذلك في رفعة وعلوٍّ وزيادة، حتى إذا
(1) تهذيب حلية الأولياء (3/ 139، 140) .
(2) السابق (3/ 141) .