عمر يوم قتل والدّم يثعبُ من جرحه.
ثم أمر الخليفة أن يخلى سبيله، فعاد إلى بيته في نفس بغداد وهو بين الحياة والموت، واستغرقت محنته بين السجن والقيود والتعذيب ثمانية وعشرين شهرًا أخرج منها ممزق الجسم شامخ الروح، إمامًا لكل عالم في الصبر على البلاء في الله.
ومنذ عاد إلى بيته ثبَّت الله به السُّنة وقوَّى شوكة الجماعة، وجمع به شمل الصابرين، وأصبح الناس يرون في أحمد وليًا من أولياء الله إذا سأل الله أجابه وإذا استعانه أعانه، وأرسل إليه أغنياء المسلمين بالعطايا الجزيلة فما عُرف عنه أنه قبل من الناس درهمًا واحدًا ينفقه على نفسه.
وعاش رحمه الله حتى جاوز الخامسة والسبعين، وقدر الله له أن يرى أحمد بن أبي داود في أشد العذاب وكل رؤوس المعتزلة، ولما توفِّي رحمه الله سارت بغداد خلف جنازته على بكرة أبيها، وبكى عليه المسلمون والنصارى واليهود، حتى لقد قُدِّر من حضروا جنازته بمليون وأوصل البعض عددهم إلى مليونين، رحم الله الإمام وجزاه عن الإسلام خير ما يُجزى عالم عامل مجاهد بذل في الله روحه وراحته.