ولذلك نحاول من خلال هذا المطلب تغطية هذا الموضوع عن طريق تقسيمه إلى فرعين، الأول: نتحدث فيه عن نطاق الالتزام بمسك الدفاتر التجارية التقليدية، أما الثاني: فسنخصصه لبحث مدى توافر شروط الدفاتر التجارية إذا ما تم مسكها باستخدام الحاسوب أو إحدى الوسائل الحديثة.
بادئ ذي بدء، يمكن القول أن إمساك الدفاتر التجارية هو أسلوب قديم ضارب في أعماق الزمن [1] ، ومازال لهذه الدفاتر أهميتها حتى اليوم، فهي وسيلة التاجر في معرفة مركزه المالي وتوجيه نشاطه المستقبلي، وهي خير شفيع له إذا أفلس، وهي أداة لحماية المتعاملين معه، وهي إحدى الأساليب الهامة لجهة الإدارة المالية عندما تريد محاسبة التاجر ... الخ [2] .
ونظرًا لأهمية الدفاتر التجارية على النحو المتقدم فيكاد لا يخلو تشريع إلا وتناولها بالتنظيم، ففي ليبيا خصص لها المشرع المواد من 58 - 64 من المدونة التجارية، حيث أوضحت هذه المواد الأشخاص الملزمون بمسك الدفاتر التجارية، وأنواع هذه الدفاتر، وضوابط انتظامها، ومدة الاحتفاظ بها، والجزاء على مخالفة الالتزام بمسكها، ودورها في الإثبات.
ونظرًا لأن المقام يحتم عدم التعرض بالشرح لجميع ما ورد من نصوص بشأن مسك الدفاتر التجارية في القانون الليبي لضرورات الإيجاز أولًا ولعدم علاقة بعضها بموضوع بحثنا ثانياَ؛ فإننا سنكتفي بالحديث عن نقطتين فقط، وهما انتظام الدفاتر التجارية وحجيتها في الإثبات، وحيث سيأتي الحديث عن الأخيرة لاحقًا، فإننا نتناول شروط انتظام الدفاتر التجارية بإيجاز فيما يلي [3] :
يعنى انتظام الدفاتر التجارية: مسكها حسب الطرق والأصول المحاسبية المعترف بها، بحيث تعطى انطباعًا مطمئنًا على صحة البيانات المقيدة بداخلها.
فيجب عند تدوين البيانات في هذه الدفاتر عدم ترك فراغات، كما لا يجب الكتابة في الحواشي أو بين السطور، كما يحظر على التاجر كشط أو محو أو تغيير أي بيان قام بتدوينه، فإذا وقع
(1) يعتبر الصيارفة الرومان أول من وضعوا بالفعل الجذور الأولي لفن المحاسبة التجارية، ولذلك فقد استعملوا الدفاتر التجارية واعتبروا الإخلال بها إهمالًا، وفي العصور الوسطى كان للدفتر قوة أوراق الموثقين الرسميين متى كان من يمسكها منتميًا إلى طائفة التجار، وفي الشرق عرفت الدفاتر في مصر القديمة، كما أشارت كتب الفقه الإسلامي للبعض منها مثل دفتر البياع والصراف .. (انظر في ذلك د. على البارودي، القانون التجاري"الأعمال التجارية، التجار، الشركات التجارية"، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1986، ص 100. وأيضًا د. ناجي عبد المؤمن، مرجع سبق ذكره، ص 689، هامش 13) .
(2) انظر في أهمية الدفاتر التجارية كل من: د. فتوح عبد الرحمن دوما، شرح القانون التجاري الليبي، المكتبة الوطنية، بنغازي، 1973، ص 71 وما بعدها. و د. محمد فريد العريني، د. جلال وفاء البدري محمدين، قانون الأعمال، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2000، ص 145 وما بعدها.
(3) وردت هذه الشروط في المادة 60 من القانون التجاري الليبي ويكاد يكون هناك إجماع بشأنها لدي معظم التشريعات المقارنة.