المطلب الثاني
المعلوماتية ومبدأ حرية الإثبات في المواد التجارية
يسود المعاملات التجارية مبدأ حرية الإثبات، فإذا كانت المادة (387/ 1) مدني ليبي توجب الكتابة في إثبات التصرفات القانونية التي تزيد عن عشرة دنانير [1] ، فإنها تستثني التصرفات التجارية من حكمها، مما يعني أن الأصل في إثبات هذه التصرفات هو حرية الإثبات.
ومفاد مبدأ حرية الإثبات، هو عدم تقيد المدعي في إثبات ما يدعيه بطريق معين من طرق الإثبات، وإنما يكون له إثبات ما يدعيه بكل الطرق بما فيها البينة والقرائن أيًا كانت قيمة التصرف.
وقد نظر المشرع عند تقديره لمبدأ حرية الإثبات إلى ما تقوم عليه التجارة من سرعة وثقة في التعامل، وبالتالي فقد قدر أن طلب الإثبات بالكتابة في المواد التجارية مساواة بالتصرفات المدنية فيه تعطيل لمصالح العاملين بالتجارة، وكذلك يتنافى مع واجب الثقة وحسن النية المفترض توافرهما لديهم [2] .
إلا أن التعامل التجاري الالكتروني وما يترتب عليه من اختزال لعنصري الزمان والمكان، وكذلك اتجاه معظم تشريعات التجارة الالكترونية إلى إعطاء المحررات الالكترونية قيمة قانونية مساوية لقيمة المحررات الورقية، كل ذلك يدعونا إلي الوقوف مع مبدأ حرية الإثبات وقفة نتساءل فيها حول مستقبله في ظل هذه التطورات، وما إذا كان يسوغ لنا الارتكان إليه في تبرير قبول الأدلة الالكترونية كأدلة إثبات في المعاملات التجارية؟
وعليه سنخصص هذا المطلب الأخير للحديث عن أثر المعلوماتية على مبدأ حرية الإثبات في المعاملات التجارية، حيث سيكون ذلك بتقسيمه إلي فرعين على النحو التالي:
الفرع الأول: نطاق العمل بمبدأ حرية الإثبات في المواد التجارية:
(1) يهيب البعض - وبحق - بالمشرع الليبي التدخل لرفع هذه القيمة، حيث أنها وإن كانت تمثل قيمة معقولة إبان صدور القانون سنة 1954 إلا أنها تعتبر في الوقت الحاضر قيمة زهيدة جدًا، بسبب اكتشاف النفط والتضخم اللذان أفضيا إلى تناقص مستمر في قيمة العملة، الأمر الذي يستدعي تعديل هذه القيمة بما يتماشى مع التطورات الاقتصادية في البلاد، وهو ما قامت به معظم التشريعات المقارنة. (انظر د. محمد على البدوي الأزهري، النظرية العامة للالتزام، الجزء الثاني، بدون ناشر، ط 1، 2005، ص 344. وأيضًا أستاذنا د. عبد القادر محمد شهاب، أساسيات القانون والحق في القانون العربي الليبي، منشورات جامعة قاريونس، ط 3، 1997، ص 384، هامش 2) .
(2) انظر د. عايض راشد عايض المري، مرجع سبق ذكره، ص 8.