المبحث الأول
نواحي استخدام المعلوماتية في المعاملات التجارية
مع تزايد حجم النشاط التجاري في العالم، وظهور الحاسوب والانترنت وثورة المعلوماتية، وبروز نوع جديد من التجارة سمي بالتجارة الالكترونية، صارت هذه الأخيرة عماد الاقتصاد في عصرنا الراهن؛ لنموها وتطورها المتزايد [1] ، فتضاعفت المستندات الالكترونية المتبادلة، وزادت الحاجة إلي القيد الالكتروني للمعاملات التجارية الالكترونية.
في ظل هذا الوضع؛ كان لزامًا على المشرع أن يتدخل ويضع من القواعد ما يكفل حسن استخدام المعلوماتية في هذا المجال، وهذا ما حدث فعلًا، حيث بدأ المشرع يتدخل شيئًا فشيئًا في مختلف الدول، وقد اتخذ هذا التدخل مظهرين أساسيين، الأول: السماح للمنشآت التجارية بأن تحتفظ بصور مصغرة بدلًا من الأصول المتصلة بالأعمال التجارية، سواء تمثلت هذه الأصول في دفاتر تجارية أو مراسلات أو برقيات أو كشوفات أو إشعارات .. الخ، أما الثاني: فهو الاستعاضة عن الالتزام التقليدي بمسك الدفاتر التجارية بمسك دفاتر تجارية الكترونية لا سيما إذا كان التاجر يعتمد في إتمام صفقاته التجارية على هذا الأسلوب.
والجدير بالذكر أن المشرع الليبي لم يكن بمنأى عن هذه التدخلات التشريعية التي تشهدها دول العالم تباعًا، فقد نظم بدوره عبر قانون المصارف رقم 1 لسنة 2005 مسألة الاحتفاظ بنسخ مصغرة بدل الأصول المتعلقة بالأعمال التجارية وأيضًا موضوع المساواة بين مخرجات الحاسوب وبين الدفاتر التجارية من حيث الحجية القانونية.
ورغم هذا المسلك الطيب من المشرع الليبي إلا أنه يعاب عليه - من وجهة نظرنا - أمران؛ أولهما: أن هذه الاستجابة اليتيمة - إن جاز التعبير- لنداء المعلوماتية من قبل المشرع الليبي جاءت متأخرة جدًا لا سيما إذا ما طالعنا المواقف التشريعية للدول العربية ناهيك عن بقية دول العالم [2] ، إضافة إلى ذلك: تأتي هذه الاستجابة بشكل غير مكتمل وغير كافي لمواجهة متطلبات
(1) تشير إحدى الدراسات إلى أن حجم التجارة الالكترونية في تزايد مستمر، فقد بلغت نسبة المبيعات التي تمت من خلال التجارة الالكترونية في عام 1996 (518) مليون دولار في الولايات المتحدة و (50) مليون فرنك في فرنسا، كما ارتفع حجم التجارة الالكترونية عالميًا من (10) مليار دولار في العام 1997 إلى (300) مليار دولار في عام 1999 وتجاوز هذا الرقم (1200) مليار دولار في نهاية عام 2001. (حول هذه الدراسة انظر: أ. نضال إسماعيل برهم، أحكام عقود التجارة الالكترونية، دار الثقافة، عمان، 2005، ص 17) . وتؤكد دراسة إحصائية أخرى بأن التجارة الالكترونية حققت في عام 2000 فائضًا قدره 275 مليون دولار وهذا الفائض سيصل في عام 2003 إلى 100 مليار دولار لتعاملات الأفراد و 1000 مليار دولار لتعاملات الهيئات. (انظر: د. هدى حامد قشقوش، الحماية الجنائية للتجارة الالكترونية، دار النهضة العربية، القاهرة، 2000، ص 9) .
(2) راجع على سبيل المثال المادة 26 من قانون التجارة المصري رقم 17 لسنة 1999، والمادتين 32 و 38 من قانون المعاملات ... التجارية الإماراتي رقم 18 لسنة 1993، وكذلك الفقرات ب / ج / د من المادة 92 من قانون البنوك الأردني رقم 28 لسنة 2000 والذي يكاد النص الليبي بفقراته الثلاث يطابقه حرفيًا اللهم إلا بعض المفردات البسيطة، وجدير بالذكر أن الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وعدد من الدول الأخرى قد سبقت الدول العربية في التصدي لهذه الأمور الوليدة بسنوات.