هذا هو مفهوم الضروريات في الفقه الإسلامي فهي لا تعدو عن كونها مجموع السلع والخدمات الأساسية التي تحفظ وتشبع الحاجات المتعلقة بالكليات الخمس التي ذكرها الفقهاء وهي: حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال. ويتم على أساسها تخصيص الموارد وتوجيه القدرات واستخدام الطاقات والإمكانيات المتاحة بصورة رشيدة لإشباعها وتلبيتها، ويترتب عن عدم إشباعها فساد كبير واضطراب خطير في حياة المجتمع [1] .
ولذلك فإن قاعدة الإنتاج في النظام الاقتصادي الإسلامي تتم في ظل المفاضلة والاختيار. والمفاضلة والاختيار لا تخضع أساسًا لفكرة الربح، وإنما هي محكومة بقاعدة ترتيب المصالح التي نظمتها الشريعة، ومن وجهة النظر القومية فإن إتباع تلك القاعدة يحقق أكبر منفعة ممكنة، إذ كلما كانت الحاجة ملحة وضرورية كانت منفعة المنتج الذي يشبعها أكبر وأعظم. ومن أمثلة تلك الضروريات:
أ. توفير القدر الضروري من الغذاء والكساء والمسكن الذي يحفظ الإنسان من الهلاك.
ب. توفير الأمن للناس.
ج. توفير التعليم الضروري في أمور الدين والدنيا.
د. منع النشاطات الضارة بالمجتمع كالقمار والخمر والربا وغيرها من المحرمات.
وعلى ذلك ينبغي للممول المسلم عند توجيه تمويله للمشاريع الاستثمارية أن يراعي الضروريات التي تحفظ المجتمع والتي تعتبر في قمة سلم الأولويات، مثل صناعة الغذاء واستصلاح الأراضي الزراعية، وصناعة الأسلحة للدفاع عن البلاد، فليس من المعقول توجيه التمويل لإنشاء مصانع لصناعة التحف وترك صناعة الغذاء وما شابهه.
2 -الحاجيات
وهي الدائرة الأوسع من الضروريات، بحيث لا يتوقف قيام المقاصد الشرعية عليها، ولكنها مطلوبة من أجل التوسعة والرفق ورفع الضيق المؤدي غالبًا إلى الحرج والمشقة التي تحدث من عدم إشباعها، إلا أن ما ينجم من عدم إشباعها من مشقة وحرج يقل عما يحدث من اختلال نظام الحياة الذي يحدث من جراء عدم إشباع الضروريات [2] ، بمعنى أنه إذا لم تراعى لا تنحل عرى الأمة ولا يتهدد الفرد الفناء أو الضياع، كما يحصل في عدم إشباع الضروريات.
إن الحياة تشق وتصبح فيها درجة من الصعوبة والحرج في ظل عدم توافر هذه الحاجيات، يقول الله عز وجل {ما جعل عليكم في الدين من حرج} [3] ،
وقال عز وجل: {ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} [4] ، فهي إذًا تيسر على العباد سبل الحياة وتوسع عليهم توسعة أولى، ذلك أن الحاجيات إنما هي توسعة زائدة عن الضروريات، فهي
(1) - صالح الصالحي، مرجع سبق ذكره، ص:231.
(2) - إبراهيم بن موسى الشاطبي، مرجع سبق ذكره، ص: 53 - 54.
(3) - سورة الحج، الآية 78.
(4) - سورة الأعراف، الآية 157.