.. عرض الإمام الداني رحمه الله لهذا الجانب في آخر كتابه المقنع وناقش أو قل إن شئت وجّه أو أجاب عما روي عن عثمان وعائشة رضي الله عنهما فقال: (فإن قال قائل: فما تقول في الخبر الذي رويتموه عن عثمان؟ ... قلت: هذا الخبر عندنا لا يقوم بمثله حجة ولا يصح به دليل من جهتين: إحداهما أنه مع تخليط في إسناده واضطراب في ألفاظه مرسل، لأن ابن يعمر وعكرمة لم يسمعا من عثمان شيئاً ولا رأياه. وأيضا فإن ظاهر ألفاظه ينفي وروده عن عثمان رضي الله عنه لما فيه من الطعن عليه مع محله من الدين ومكانه من الإسلام وشدة اجتهاده في بذل النصيحة واهتباله بما فيه من الصلاح للأمة فغير ممكن أن يتولى لهم جمع المصحف مع سائر الصحابة الأخيار الأتقياء الأبرار نظراً لهم ليرتفع الاختلاف في القرآن بينهم ثم يترك لهم فيه مع ذلك لحنا وخطأ يتولى تغييره من يأتي بعده ممن لا شك أنه لا يدرك مداه ولا يبلغ غايته ولا غاية من شاهد. هذا مالا يجوز لقائل أن يقوله ولا يحل لأحد أن يعتقده. فإن قال: فما وجه ذلك عندك لو صح عن عثمان رضي الله عنه؟ قلت: وجهه أن يكون عثمان رضي الله عنه أراد باللحن المذكور فيه التلاوة دون الرسم إذ كان كثير منه لو تلي على حال رسمه لانقلب بذلك معنى التلاوة وتغيرت ألفاظها، ألا ترى قوله(أولا أذبحنه) و (لا أوضعوا) و (من نبأى المرسلين) و (سأوريكم) و (الربوا) وشبهه مما زيدت فيه الألف والياء والواو في رسمه لو تلاه تال لا معرفة له بحقيقة الرسم على حال صورته في الخط لصيّر الإيجاب نفياً ولزاد في اللفظ ما ليس فيه ولا من أصله فأتى من اللحن بما لا خفاء به على من سمعه مع كون رسم ذلك كذلك جائزاً مستعملاً فأعلم عثمان رضي الله عنه إذ وقف على ذلك أن من فاته تمييز ذلك وعزبت معرفته عنه ممن يأتي بعده سيأخذ ذلك عن العرب إذ هم الذين نزل القرآن بلغتهم فيعرفونه بحقيقة تلاوته ويدلونه على صواب رسمه فهذا وجهه عندي والله أعلم.