وهذه الآيات تحتاج إلى الكثير من الوقفات، فهي منهج متكامل في طريقة الدعوة إلى الله، في ست آيات ترى قول الله لرسوله ست مرات {قُلْ} وهذا الأمر يعني أنه مأمور من قبل مولاه، وأن هذا القرآن ليس من عنده، إنما هو كلام من أرسله، وما هو إلا مبلغ عن ربه، كما يعني هذا الأمر قوة الدعوة التي يدعو إليها هذا الرسول، وثقته المطلقة في عدالة قضيته، وارتكازها على الأسس التي لا تميل، فهي دعوة ربانية، مصدرها قيوم السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة.
وبعد الأمر الأول تتوالى الأسئلة التي تقررهم، فتسألهم عن من يرزقهم من السماء بالأمطار، ومن الأرض بألوان الثمار، وتسألهم عن من يملك السمع والأبصار، ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر؟ فتكون
الإجابة الاعتراف بأنه كذلك، فيأمر الله رسوله أن يؤنبهم على هذا الخلل في تفكيرهم وسلوكهم، قائلًا لهم: {أَفَلَا تَتَّقُونَ} ثم يأخذ بأيديهم إلى طريق النجاة وهو يقول: {فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} .
وكم في هذه الكلمات من دعوة للرجوع للحق، لعلك تلمح معي يد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تأخذ بأيديهم في رفق لتضعها على الحقيقة التي لا سبيل إلى إنكارها، ليقول لهم: فذلكم الرب الذي اعترفتم بأنه الرازق المهيمن، القوي القادر، الذي يدبر أمر الخلائق، هو الله الذي رباكم على موائد كرمه، وهو ربكم الحق.
ثم يسألهم مخوفًا من عاقبة إنكارهم، وأنه ليس هناك بعد الحق إلا الضلال ويقول لهم: {فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} إن الطرق كلها مسدودة إلا هذا الطريق، طريق الحق، فأين يذهب هؤلاء! ويختم هذه الجولة بتهديدهم من الحرمان من شرف الإيمان، إن استمروا على عنادهم فيقول: {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} .