قال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية في"الرسالة القبرصية": فتفرق النصارى في التثليث والاتحاد تفرقاً وتشتتوا تشتيتاً لا يقر به عاقل ، ولم يجئ نقل ، إلا كلمات متشابهات في الإنجيل وما قبله من الكتب ، قد بينتها كلمات محكمات في الإنجيل وما قبل ، كلها تنطلق بعبودية المسيح وعبادته لله وحده ، ودعائه وتضرعه ، ولما كان أصل الدين هو الإيمان بالله ورسله ، كان أمر الدين توحيد الله والإقرار برسله ، فأرباب التثليث في الوحدانية ، والاتحاد في الرسالة ، قد دخل في أصل دينهم من الفساد ما هو بيّن بفطرة الله التي فطر الناس عليها ، وبكتب الله التي أنزلها . انتهى .
وقد اجتمع لديّ ، بحمده تعالى ، حين كتابة هذه السطور عشرون مؤلفاً في الرد عليهم ، وكلها ، ولله الحمد ، مطبوعة منتشرة ، فلا حاجة للإطالة بالنقل عنها ، لسهولة الوقوف عليها .
قال الماردوي في"أعلام النبوة": فأما النصارى فقد كانوا ، قبل أن تنصر قسطنطين الملك ، على دين صحيح في توحيد الله تعالى ونبوة عيسى عليه السلام ، ثم اختلفوا في عيسى بعد تنصر قسطنطين ، وهو أول من تنصر من ملوك الروم ، أي: لأن الروم كانت صابئة ، ثم قهرهم على التنصر قسطنطين لما ملكهم .
فقال أوائل النسطورية: إن عيسى هو الله .
وقال أوائل اليعاقبة: إنه ابن الله .
وقال أوائل الملكانية: إن الآلهة ثلاثة: أحدهم عيسى .
ثم عدل أواخرهم عن التصريح بهذا القول المستنكر ، حين استنكرته النفوس ، ودفعته العقول ، فقالوا: إن الله تعالى جوهر واحد ، هو ثلاثة أقانيم: أقنوم الأب ، وأقنوم الابن ، وأقنوم روح القدس ، وأنها واحدة في الجوهرية ، وأن أقنوم الأب هو الذات ، وأقنوم الابن هو الكلمة ، وأقنوم روح القدس هو الحياة ، واختلفوا في الأقانيم ، فقال بعضهم: هي خواص ، وقال بعضهم: هي أشخاص ، وقال بعضهم: هي صفات ، وقالوا: إن الكلمة اتحدت بعيسى ، واختلفوا في الاتحاد .