إذن هو سبحانه قادر على كل شيء ، ولا يخرج شيء عن نطاق قدرته . وهو سبحانه قبل أن يمتن علينا الحياة فهو يحذرنا أن يأخذنا الغرور بهذه الحياة ، ولذلك قال: {تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الذي خَلَقَ الموت والحياة لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ العزيز الغفور} [الملك: 1 - 2] .
وكأنه ينبه الإنسان إلى أن يستقبل الحياة ، ليعرف أنه سبحانه أوجد ناقض الحياة وهو الموت ، فإياك أن تأخذ الحياة على أنها تعطيك قوة الحركة والإدراك والإرادة برتابة وأبدية ؛ لأن هناك ناقض الحياة وهو الموت .
وها هو ذا سبحانه يقول في موضع آخر من القرآن الكريم: {أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ الخالقون * نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الموت وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * على أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الواقعة: 58 - 61] .
والإنسان لا يرى الحيوانات المنوية المقذوفة منه في رحم زوجه ، ولا أحد يقدر على ذلك ويرعاه حتى يصير جنيناً ثم بشراً ، ولكن الحق هو المقدر والخالق ، إنّه القادر الذي أعطانا الحياو وقدّر علينا الموت ولا غالب له ، إنه يبدل صورنا حين يريد ، ويخلق غيرنا وينشئنا في صور لا نعرفها ، وهو الواهب للحياة ، وهو الذي ينزعها بالموت .
ويقول لنا: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزارعون} [الواقعة: 63 - 64] .
هنا ينبهنا جل وعلا إلى أن الزرع الذي نأكله ، والثمار التي نجنيها من الأرض ليس لنا فيها إلا إلقاء البذور ، وهو سبحانه الذي أودع في البذرة عجائب مختزنة ، ففي البذرة ما يقتيها إلى أن يوجد لها جذير يمتص غذاءها من الأرض ، فَتَنمو لها ساق ، ثم تقوى الجذور ، وتشتد الساق .