فهرس الكتاب
والثاني: أنه بَدَلٌ من الضمير المُسْتَكِنِّ في الخبر ، ولا يجوز أن يرتفع باسم الفاعل ، وهو"كاشف"؛ لأنه مطوَّلاً [ومتى كان مطوَّلاً] أعْرِبَ نَصْباً ، وكذلك لا يجوز أن يكون بَدَلاً من الضمير المُسْتَكِنّ في"الكاشف"للعلَّةِ المتقدّمة ؛ إذ يحلُّ مَحَلُّ مَحَلَّ المبدل فإن قيل: المقابل للخير هو الشَّر ، فكيف عدل عن لَفْظِ الشَّرِّ؟ والجواب أنه أراد تَغْلِيبَ الرحمة على ضِدِّهَا ، فأتى في جانب الشَّرِّ بأخَصَّ منه وهو الضُّرُّ ، وفي جانب الرَّحْمَةِ بالعام الذي هو الخَيْرُ تعليباً لهذا الجانب.
قال ابن عطية: نابَ الضُّرُ مَنَابَ الشِّرِّ ، وإن كان الشِّرُّ أعَمَّ منه ، فقابل الخير.
وهذا من الفصاحةِ عُدُولٌ عن قانون التكليف والصيغة ، فإن باب التكليف وترصيع الكلام أن يكون الشيء مُتءترناً [بالذي يختص به بنوع من أنواع الاختصاص موافقة أو مُضاهاة فمن ذلك] {إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تعرى وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تضحى} [طه: 118 - 119] فجاءؤ بالجوع مع العُرْي ، وبابه أن يكون مع الظَّمَأ.
ومنه قوله امرئ القيس: [الطويل]
2119 - كَأنِّيَ أرْكَبْ جَواداً لِلَذَّةِ...
وَلَمْ أتَبَطَّنْ كَاعِباً ذَاتَ خَلْخَال
وَلَمْ أسْبإ الزِّقَّ الرَّوِيَّ وَلَمْ أقُلْ...
لِخَيْلِيَ كُرِّي كرَّةً بَعْدَ إجْفَالِ
ولم يوضّح ابن عطيَّة ذلك ، وإيضاحه في آية"طه"اشْتَرَاكُ الجوع والعُرْي في شيء خاص وهو الخلُوُّ ، فالجوع خُلُوُّ وفراغٌ من الباطن ، والعُرْيُ خُلُوِّ وفراغٌ من الظَّاهرِ واشتراك الظَّمَأ والضِّحَي في الاحتراق ، فالظَّمَأُ احتراق في الباطن ، ولذلك تقول:"بَرَّدَّ الماءُ حَرارةَ كبدي وأوام عطشي".
والضَّحَى: احْتِرَاقُ الظَّاهر.