فهرس الكتاب
قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ. أي: هل علمتم أنّ الأمر كما يقال لكم فأخبروني بما عندكم إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ معناه: أخبروني إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة من تدعون غير الله؟ وفي هذا تبكيت لهم أي أتخصون آلهتكم بالدعوة إذا أصابكم ضر، أم تدعون الله دونها؟ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنّ غير الله إله فادعوه ليخلصكم ولكنّهم كاذبون
بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ.
أي: بل تخصّونه بالدّعاء دون الآلهة المزعومة فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ.
أي: فيكشف ما تدعونه إلى كشفه إن أراد أن يتفضّل عليكم وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ. أي: وتتركون آلهتكم أو لا تذكرون آلهتكم في ذلك الوقت لأنّ أذهانكم وقتذاك مغمورة بذكر ربكم وحده إذ هو القادر على كشف الضرّ دون غيره.
إن رجوع الإنسان إلى الله ساعة الشّدّة وإقباله عليه بالدّعاء وإفراده بذلك، لدليل أيما دليل على استكنان الإيمان بالله وتوحيده في الفطرة البشرية، ولقد علّق صاحب
الظلال على الآية الأخيرة بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ ... بقوله:
«بل تدعونه وحده؛ وتنسون شرككم كله! .. إن الهول يعرّي فطرتكم - حينئذ - فتتجه بطلب النجاة إلى الله وحده. وتنسى أنها أشركت به أحدا. بل تنسى هذا الشرك ذاته .. إن معرفتها بربها هي الحقيقة المستقرة فيها؛ فأما هذا الشرك فهو قشرة سطحية طارئة عليها، بفعل عوامل أخرى. قشرة سطحية في الركام الذي ران عليها. فإذا هزّها الهول تساقط هذا الركام، وتطايرت هذه القشرة، وتكشّفت الحقيقة الأصلية، وتحركت الفطرة حركتها الفطرية نحو بارئها، ترجوه أن يكشف عنها الهول الذي لا يد لها به، ولا حيلة لها فيه ..
هذا شأن الفطرة في مواجهة الهول، يواجه السياق القرآني به المشركين .. فأما شأن الله - سبحانه - فيقرره في ثنايا المواجهة. فهو يكشف ما يدعونه إليه - إن شاء - فمشيئته طليقة، لا يرد عليها قيد. فإذا شاء استجاب لهم فكشف عنهم ما يدعون كله أو بعضه؛ وإن شاء لم يستجب، وفق تقديره وحكمته وعلمه.