فهرس الكتاب
وقد وضح حقيقة مذهبهم في ذلك الإمام عماد الدين الواسطي وهو العلامة السلفي الصوفي الشافعي الذي كان ابن تيمية يسميه (جنيد زمانه) ويقول عنه الحافظ الذهبي: شيخنا القدوة، قال في رسالة (النصيحة) :
"إن الله عز وجل كان ولا مكان، ولا عرش، ولا ماء، ولا فضاء، ولا هواء، ولا خلاء ولا ماء -"
وأنه كان منفردا في قدمه وأزليته، متوحدا في فردانيته، سبحانه وتعالى في تلك الفردانية لا يوصف بأنه فوق كذا، إذ لا شيء غيره، هو سابق التحت والفوق اللذين هما جهتا العالم وهو لا زمان له، والرب تعالى في تلك الفردانية منزه عن لوازم الحدوث -
فلما اقتضت الإرادة المقدسة، بخلق الأكوان المحدثة، المخلوقة المحدودة ذوات الجهات، اقتضت الإرادة أن يكون الكون له جهات من العلو والسفل، وهو سبحانه منزه عن صفات الحدوث فكون الأكوان، وجعل لها جهتي العلو والسفل -
واقتضت الحكمة الإلهية أن يكون الكون في جهة التحت، لكونه مربوبا مخلوقا، واقتضت العظمة الربانية أن يكون هو فوق الكون، باعتبار الكون المحدث لا باعتبار فردانيته، إذ لا فوق فيها ولا تحت، والرب سبحانه وتعالى كما كان في قدمه وأزليته وفردانيته، لم يحدث له في ذاته ولا في صفاته، ما لم يكن في قدمه وأزليته، فهو الآن كما كان -
لكن لما أحدث المربوب المخلوق ذا الجهات، والحدود والخلاء، والملاء، والفوقية والتحتية، كان مقتضى حكم العظمة للربوبية أن يكون فوق ملكه، وأن تكون المملكة تحته باعتبار الحدوث من الكون لا باعتبار القدم من المكون، فإذا أشير إليه بشيء يستحيل أن يشار إليه من الجهة التحتية، أو من جهة اليمنة أو اليسرة، بل لا يليق أن يشار إليه إلا من جهة العلو، والفوقية، ثم الإشارة هي بحسب الكون، وحدوثه، وأسفله - فالإشارة تقع على أعلى جزء من الكون حقيقة، وتقع على عظمة الرب تعالى كما يليق به، لا كما يقع على الحقيقة المعقولة عندنا في أعلى جزء من الكون، فإنها إشارة إلى جسم، وتلك إشارة إلى إثبات -