إذا علم ذلك فالاستواء صفة له كانت في قدمه، لكن لم يظهر حكمها إلا عند خلق العرش، كما أن الحساب صفة قديمة له لا يظهر حكمها إلا في الآخرة، وكذلك التجلي في الآخرة لا يظهر حكمه إلا في محله -
فإذا علم ذلك، فالأمر الذي يهرب المتأولون منه، حيث أولوا الفوقية: بفوقية المرتبة، والاستواء: بالاستيلاء، فنحن أشد الناس هربا من ذلك، وتنزيها للبارئ سبحانه وتعالى عن الحد الذي يحصره، فلا يحد بحد يحصره، بل بحد تتميز به عظمة ذاته عن مخلوقاته والإشارة إلى الجهة إنما هو بحسب الكون وأسفله، إذ لا يمكن الإشارة إليه إلا هكذا -
وهو في قدمه سبحانه منزه عن صفات الحدوث، وليس في القدم فوقية ولا تحتية، وإن من هو محصور في التحت، لا يمكنه معرفة بارئه إلا من فوقه، فتقع الإشارة إلى العرش حقيقة إشارة معقولة، وتنتهي الجهات عند العرش، ويبقى ما وراءه لا يدركه العقل ولا يكفيه الوهم، فتقع الإشارة عليه كما يليق به مجملا مثبتا، لا مكيفا ولا ممثلا"-"
وقد علق العلامة رشيد رضا على كلام الواسطي فقال في تفسير المنار:
أقول: ولاستاذه ابن تيمية نحو ذلك في بيان معنى ما ورد من أن الله تعالى هو القاهر فوق عباده وأنه في السماء، فلا يعنون بشيء مما ورد أن ذات الله القديم محصورة في السماء أو العرش أو محدودة في الجهة التي فوق رؤوسنا، بل صرح ابن تيمية وابن القيم وغيرهما بأن جهة الرأس كسائر الجهات من اليمين والشمال وغيرهما هي من الأمور النسبية التي لا حقيقة لها في نفسها، وإنما يفسرون ذلك بما علمت -
إن تحديد المفاهيم، وتوضيح المصطلحات، وإزالة الغبش واللبس عنها، يقرب المسافة بين المختلفين، وقد يزيل الخلاف من أساسه إذا صدقت النيات -
* شغل المسلم بهموم أمته الكبرى:
من أكثر ما يوقع الناس في حفرة الاختلاف، وينأى بهم عن الاجتماع والائتلاف: فراغ نفوسهم من الهموم الكبيرة، والآمال العظيمة، والأحلام الواسعة - وإذا فرغت الأنفس من الهموم الكبيرة، اعتركت على المسائل الصغيرة، واقتتلت ـ أحيانا ـ فيما بينها على غير شيء!
ولا يجمع الناس شيء كما تجمعهم الهموم والمصائب المشتركة، والوقوف في وجه عدو مشترك، وما أصدق ما قاله أحمد شوقي: