أما أوروبا التي مزقتها الحروب والصراعات والنزاعات القومية والإقليمية والسياسية والأيديولوجية، فهي اليوم تقترب حتى يوشك أن تكون دولة واحدة تذوب بين أقطارها الفواصل والحدود -
وأعجب ما في الأمر هو ما يحدث في أوروبا الشرقية ذاتها تلك التي كان يفصلها الستار الحديدي الرهيب عن أوروبا الغربية، واليوم يكاد هذا الستار يرق ويرق حتى يتمزق في النهاية -
وقد علق على ذلك الكاتب السياسي المعروف أحمد بهاء الدين، فقال:
عندما كان ديجول يستعمل في خطابه وأحاديثه تعبير"أوروبا من الأطلنطي إلى الأورال"كان هذا التعبير يقابل من الجميع بمزيج من السخرية والغيظ،"فالأورال"هي الجبال الواقعة بين روسيا وسيبيريا، وبالتالي فمعنى كلامه أنه يتحدث عن أوروبا واحدة تضم شرق أوروبا وغربها - - من روسيا إلى فرنسا وأسبانيا، وكان يقول هذا في أوج الحرب الباردة وانقسام أوروبا إلى شرق وغرب، وبناء سور برلين، وسباق التسلح، وكان حسنو النية من خصومه يقولون: إنه فقط يريد أن (يغيظ) أمريكا في خلافاته معها، لأن من كلامه أنه رغم حلف الأطلنطي وتحالفات (المعسكر الغربي) - - فروسيا أقرب إلى أوروبا من أمريكا -
وقد كان ديجول يعني ذلك بالضبط، فقد كان يرى من خلال نظرته للتاريخ أن العالم ينقسم إلى قوميات وليس إلى أيديولوجيات - وأن الجغرافيا أهم في التاريخ من كل النظم السياسية، فالشعب الواحد ـ فرنسا أو ألمانيا أو روسيا ـ تتابع عليه نظم سياسية مختلفة، ملكية أو جمهورية أو رأسمالية أو شيوعية - ولكن الأبقى والأساس هو الانتماء القومي، فرنسا ستظل بعد هذا كله فرنسية، وألمانيا ألمانية، وبهذا المنطق فإن روسيا كانت قيصرية ثم شيوعية ثم أي شيء آخر ولكنها روسية، وبالتالي أوروبية - في حين أن أمريكا يفصلها عن أوروبا محيط بأكمله هو المحيط الأطلنطي - وهذه الحقائق القومية والجغرافية أقوى مما يسمونه حلف وارسو وحلف الأطلنطي - - وقد كان ديجول يحاول في سياساته بغير شك أن يقلل من (هيمنة) أمريكا على أوروبا، كما كان يرى أن النظم الشيوعية إلى زوال - - وكانت هذه أفكار أساسية لديه وليست مجرد سياسات -