ويعلّق المرحوم الشيخ مصطفى عبد الرازق على هذا بقوله: « إذا كان مذهب الأشعري فِي محاربة المعتزلة بمثل سلاحهم ، من أساليب النظر العقلي - قد أضعف الاعتزال ، وأذلّ سلطانه ، فإن السياسة كان لها كبير الأثر فيما ناله الاعتزال من القوة والسيادة أولا ، وكان لها أثرها فِي نزوله عن عرشه أخيرا » .
إن الأشعري ، قد وقف فِي وجه المعتزلة ، فانتزع منهم الإنسان الذي جعلوه فِي بعض أحواله خالقا ، منفردا بخلق أفعاله وتدبير وجوده ، حتى لكأنه يطاول إله العالمين ، وينازعه سلطانه - انتزع الأشعري هذا الإنسان الإلهى ، ونزل به إلى واقع الحياة البشرية ، فجعله « كاسبا » لأفعاله ، لا خالقا لها ، عاملا بإرادته ، ولكن فِي ظلّ من إرادة اللّه ومشيئته ..
[كسب الإنسان]
فتح الأشعري بنظرية « الكسب » التي أحلها محل « الخلق » الذي تقول به المعتزلة - نقول: فتح بابا دخل منه كثير من الفلاسفة والمتكلمين على هذا الشيء الذي سماه الأشعري كسبا ، والذي يراه فِي الإنسان ، متلبسا بإرادته ، معلقا بمشيئته ..
وقد عدّ كثير من العلماء والباحثين قول الأشعري لغزا تندّروا به ، ووضعوه موضع العقد التي لا يعرف لها حلّ ، وذلك أنهم لم يروا فارقا واضحا بين « الخلق » الذي تقول به المعتزلة ، وبين « الكسب » الذي يقول به الأشعري ، ويراه مناقضا للقول بالخلق.
يقول ابن تيمية فِي تفنيد نظرية الكسب: « ولا يقول الأشعري: إن العبد فاعل فِي الحقيقة ، بل كاسب ، ولم يذكر بين الكسب والفعل فرقا معقولا ، بل حقيقة قولهم - أي الأشعرية - قول جهم: (هو جهم بن معبد ، رأس الجبرية) إن العبد لا قدرة له ، ولا فعل ولا كسب.