فهرس الكتاب
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ} فَإِنَّ مَعْنَاهُ: سَيُصِيبُهُمْ صَغَارٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: سَيَأْتِينِي رِزْقِي عِنْدَ اللَّهِ، بِمَعْنَى: مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، يُرَادُ بِذَلِكَ: سَيَأْتِينِي الَّذِي لِي عِنْدَ اللَّهِ. وَغَيْرُ جَائِزٍ لِمَنْ قَالَ: (سَيُصِيبُهُمْ صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ) أَنْ يَقُولَ: (جِئْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ) بِمَعْنَى: جِئْتُ مِنْ عِنْدِ عَبْدِ اللَّهِ، لِأَنَّ مَعْنَى (سَيُصِيبُهُمْ صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ) : سَيُصِيبُهُمُ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الذُّلِّ بِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِنَظِيرِ (جِئْتُ مِنْ عِنْدِ عَبْدِ اللَّهِ) .
وَقَوْلُهُ: {وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ}
يَقُولُ: يُصِيبُ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ الْمُسْتَحِلِّينَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَيْتَةِ مَعَ الصَّغَارِ، عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَكِيدُونَ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ بِالْجِدَالِ بِالْبَاطِلِ وَالزُّخْرُفِ مِنَ الْقَوْلِ غُرُورًا لِأَهْلِ دِينِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (125) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ} لِلْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ فَيُوَفِّقُهُ لَهُ، {يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ}
يَقُولُ: فَسَّحَ صَدْرَهُ لِذَلِكَ وَهَوَّنَهُ عَلَيْهِ وَسَهَّلَهُ لَهُ بِلُطْفِهِ وَمَعُونَتِهِ، حَتَّى يَسْتَنِيرَ الْإِسْلَامُ فِي قَلْبِهِ، فَيُضِيءُ لَهُ وَيَتَّسِعُ لَهُ صَدْرُهُ بِالْقَبُولِ. كَالَّذِي جَاءَ الْأَثَرُ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ؟ قَالَ: «أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا، وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا» .