فإن قلت فقد ورد:"أبلغكم رسالات ربى"بالجمع فِي قصة نوح وهود عليهما السلام ، ولم يتقدم فِي القصتين إطناب ولا إطالة تقتضى ذلك فإن الوارد فِي قصة نوح من قول قومه له قوله تعالى:"قال الملأ من قومه إنا لنراك فِي ضلال مبين"وهذا ليس كجواب قوم شعيب عليه السلام فِي إطالته وإذا لم يكن فِي ذلك طول فما وجه الجمع فِي قوله:"رسالات ربى"؟ ولم لم يفرد كما فِي قصة صالح إذ هي شبيهتها فِي الإيجاز ؟ فالجواب أن افظ الضلال وإن كان هنا لا يرادف الكفر حسبما تقدم وما يأتى فإنه يقتضى بحسب كليته وانتشار مواقعه مقتضيات عدة ، وأنهم لم يريدوا تخصيصه بقوله بعينه من قوله عليه السلام بل أرادوا أقوالا كثيرة مما أمرهم به ونهاهم عنه ومما حذرهم وأنذرهم من عذاب الآخرة حين قال لهم:"إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم"فلانسحاب اسم الضلال على مسميات شتى كان فِي وزان ما طال من الكلام فأشبه الواقع فِي قصة شعيب عليه الصلاة والسلام قال الزمخشري:"الضلال الذهاب عن طريق الصواب والحق"فكأنهم قد فصحوا بأن قالوا لا نعتمد قولك فِي شيء ولا نعول عليه لأنك ذاهب فيه عن طريق الصواب والحق ويشهد لإرادتهم هذا التفصيل قول نوح عليه السلام فِي رد مقالتهم:"ليس بي ضلالة"ولم يقل ليس بي ضلال فينفى عين ما قالوه بل عدل إلى ما يدفع قليل ذلك وكثيره فِي كل قضية قضية ، وإذا نفى وجود الضلال فِي كل واحدة من تلك القضايا بعد انتفاء الضلال عن كلها وبرئت ذمته الرفيعة عن الاتصاف بشيء مما رموه به ومثله الزمخشري بجواب من قيل له:"ألك ثمر فقال ولا ثمرة واحدة"وهو تنظير حسن فقد حصل إطناب وتفصيل فِي المعنى ولطول المجاورة بينه وبين قومه ما قالوه له فِي آخر مقالهم:"قد جادلتنا فأكثرت جدالنا"فلهذا قال:"أبلغكم رسالات ربى"فجمع فكأنه عليه السلام يقول: كل قضية أبلغتكم إياها فربى أرسلنى بها وكل منها رسالة أرسلت بها إليكم محفوظا فِي ذلك بعصمة الله إياى منزها عما