فهرس الكتاب
ولنعرف أن الله سبحانه وتعالى يسخر لنا الكافرين ليبينوا لنا المستغلق علينا في قوانين الكون ، فقد اكتشفوا قوانين القوة المادية وفهمناها نحن في إطار الماديات والمعنويات ، وليس اكتشاف الكافرين للقوانين في الكون مدعاة للكسل والاعتماد عليهم ، بل علينا أن نشحذ الهمم لنتقدم في العلم الذي يُسير أمور الحياة ، ولنعلم أنه لا شيء ينشئ فينا فطرة جديدة ؛ لأن البشر من قديم مفطورون على الفطرة السليمة التي تلفتهم إلى أن لهذا العالم صانعاً ، فكل ذراتنا وكل اتجاهاتنا تؤكد لنا وجود إله واحد . بل إن الفلاسفة حينما بحثوا وارء المادة تأكد لهم ذلك ، وأغلب الفلاسفة كانوا غير مؤمنين ، وهم ببحثهم وراء المادة إنما يبحثون عن الخالق الأعظم ؛ لأن الإنسان لا يبحث عن شيء لا يظن وجوده . ولأنهم جميعا يعلمون أن الإنسان طرأ على كون ، وهذا الكون مقام بهندسة حكيمة ، ومخلوق بقوة لا تستطيع قوى البشر جميعا أن تأتي بمثلها ، إذن لابد لهذا الكون من الخالق .
لقد بيّنا أن القوانين التي تظهر لنا في المادة تتماثل مع قوانين القيم ، إلا أن الناس يتهافتون على قانون المادة لأنها تحقق لهم خيراً أو تدفع عنهم شرا ، فيأخذون ما ينفعهم ويدعون ويتركون ما يضرهم ، ولذلك احتاج الإنسان إلى منهج من السماء ليوضح ويبين له قوانين القيم التي تحقق له السعادة العاجلة في الدنيا والآجلة في الآخرة ، أما قوانين المادة في الأرض فتركها الله لنشاط العقل ، حتى الذين لا يؤمنون بالله يذهبون إلى قوانين المادة ويصنعونها ، ويتهربون من قوانين القيم لأنها تحد من شهوات النفس ، وتتعب بمشقة التكليف ، فشاء الحق سبحانه وتعالى أن يقول فيها: {... خُذُواْ مَآ ءاتيناكم بِقُوَّةٍ واذكروا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأعراف: 171]