فهرس الكتاب
وكانت عادة العرب أن القادم إلى أهل البيت ، العائِذَ برب البيت ، المستأنسَ للقرى يستانس ، فيطوف بالبيت ، ويستأذن ، كما ورد في قصة النابغة مع النعمان بن المنذرِ حين أنشد أبياته التي أولها:
أصم أمْ يسمعُ رب القُبّهْ...
وتقدمت في أول سورة الفاتحة ، ومن ذلك طواف القادمين إلى مكة بالكعبة تشبها بالوافدين على المملوك ، فلذلك قُدّم الطواف على جميع المناسك وختمت بالطواف أيضاً ، فلعل كلمة طائف تستعمل في معنى الملم الخفي قال الأعشى:
وتُصبح عن غب السُّرَي وكأنّها...
ألمَّ بها من طائِف الجن أَوْلَقُ
وقال تعالى: {فطاف عليها طائفٌ من ربك وهم نائمون} [القلم: 19] .
وقراءة الجمهور: {طائف} ، بألف بعد الطاء وهمزة بعد الألف ، وقراءة ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب: (طيْف) بدون ألف بعد الطاء وبياء تحتية ساكنة بعد الطاء ، والطيْف خيال يراك في النوم وهو شائع الذكر في الشعر.
وفي كلمة (إذا) من قوله: {إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا} مع التعبير بفعل {مَسهم} الدال على إصابة غير مكينة ، إشارة إلى أن الفزع إلى الله من الشيطان ، عند ابتداء إلمام الخواطر الشيطانية بالنفس ، لأن تلك الخواطر إذا أمهلت لم تلبث أن تصير عزماً ثم عملاً.
والتعريف في {الشيطان} يجوز أن يكون تعريف الجنس: أي من الشياطين ويجوز أن يكون تعريف العهد والمراد به إبليس باعتبار أن ما يوسوس به جنده وأتباعُه ، هو صادر عن أمره وسلطانه.
والتذكر استحضار المعلوم السابق ، والمراد: تذكروا أوامر الله ووصاياه ، كقوله: {ذَكروا الله فاستغفروا لذنوبهم} [آل عمران: 135] ويشمل التذكر تذكر الاستعاذة لمن أمر بها من الأمم الماضية ، إن كانت مشروعة لهم ، ومن هذه الأمة ، فالاقتداءُ بالذين اتقوا يعم سائر أحوال التذكر للمأمورات.
والفاء لتفريع الإبصار على التذكر.