فهرس الكتاب
ومن العجيب أننا نجد الحيوان المحكوم بالغريزة لا يخرج سلوكه عن النظام المجبول عليه ويؤدي مهمته كما رسمت له تماماً ، فالدابة مثلاً تلد ويأخذون وليدها ليذبحوه فلا تنفعل ؛ لأن هذه مهمتها في الحياة أن تعطي للإنسان اللحم . والحمامة ترقد على بيضها وعندما يخرج الفرج الصغير تتولاه لفترة بسيطة جداً حتى يعرف كيف يطير وكيف يأكل ثم بعد ذلك تتركه ؛ ليؤدي مهمته ؛ لأنه محكوم بالغريزة . والغرائز لا تخطئ . ويتصرف بها الحيوان بدون تعليم له .
فإذا جئنا للإنسان نجد أن ألوان السلوك المحكومة بالغريزة فيه لا يتعلمها ؛ إذا جاع طلب الطعام دون أن يعلمه أحد كيف يشعر بالجوع ، فهذه غريزة . وإذا عطش طلب الماء دون يعلمه أحد معنى العطش ولا كيف يشرب . وكل واحد منا في الغرائز متساو مع الآخر . ونجد الغني والفقير والحاكم والغفير إذا شعروا بالجوع طلبوا الطعام ، وإذا شعروا بالعطش طلبوا الماء . فكل شيء محكوم بالغرائز لا يوجد فيه تغيير .
ومن العجيب - مثلاً - أن الحمار حين يريد أن يعبر مجرى مائيا ينظر إليه ، وبمجرد النظرة يستطيع أن يعرف هل سيعبره أو لا ، فإن كان قادراً قفز قفزة واحدة ليعبر ، وإن لم يقدر بحث عن طريق آخر .
ولا تستطيع أن تجبر حماراً على أن يعبر مجرى مائيا لا يقدر على عبوره ، ومهما ضربته فلن يستجيب لك ولن يعبر . أما الإنسان إن طلبت منه أن يعبر قناة مائية فقد يقول لنفسه: سأجمع كل قوتي وأقفز قفزة هائلة ، وإن لم يكن قياسه صحيحاً ، يسقط في الماء ، ذلك لأنه أخطأ وصورت له أداة الاختيار أنه يستطيع أن يفعل ما لا يقدر عليه . إذن فالمحكوم بالغريزة هو الأوعى .