ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى حُكْمَ مَنْ لَا ثِقَةَ بِعُهُودِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ الَّذِينَ يُخْشَى مِنْهُمْ نَقْضَهَا عِنْدَمَا تَسْنَحُ لَهُمْ غِرَّةٌ فَقَالَ: وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ أَيْ: وَإِنْ تَتَوَقَّعْ مَنْ قَوْمٍ خِيَانَةً بِنَقْضِ عَهْدِكَ مَعَهُمْ بِأَنْ يَظْهَرَ لَكَ مِنَ الدَّلَائِلِ وَالْقَرَائِنِ مَا يُنْذِرُ بِهِ ، فَاقْطَعْ عَلَيْهِمْ طَرِيقَ الْخِيَانَةِ لَكَ قَبْلَ وُقُوعِهِ ، بِأَنْ تَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ ، أَيْ تُعْلِمَهُمْ بِفَسْخِهِ ، وَعَدَمِ تَقَيُّدِكَ بِهِ ، وَلَا اهْتِمَامِكَ بِأَمْرِهِمْ فِيهِ - شَبَّهَ مَا لَا ثِقَةَ بِوَفَائِهِمْ بِهِ مِنْ عُهُودِهِمْ بِالشَّيْءِ الَّذِي يُلْقَى بِاحْتِقَارٍ ، وَيُرْمَى كَالنَّوَى الَّتِي يَلْفِظُهَا الْآكِلُ ، وَيَرْمِيهَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ - انْبِذْهُ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ ، أَيْ عَلَى طَرِيقٍ سَوِيٍّ وَاضِحٍ لَا خِدَاعَ فِيهِ ، وَلَا اسْتِخْفَاءَ وَلَا خِيَانَةَ ، وَلَا ظُلْمَ وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: يَقُولُ أَعْلِمْهُمْ قَبْلَ حَرْبِكَ إِيَّاهُمْ أَنَّكَ قَدْ فَسَخْتَ الْعَهْدَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ ، حَتَّى تَكُونَ أَنْتَ وَهُمْ فِي الْعِلْمِ بِنَقْضِ الْعَهْدِ سَوَاءً ، فَلَا يَتَوَهَّمُوا أَنَّكَ نَقَضْتَ الْعَهْدَ بِنَصْبِ الْحَرْبِ مَعَهُمْ . اهـ . وَأَمَّا الَّذِينَ يَنْقُضُونَ الْعَهْدَ بِالْفِعْلِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى نَبْذِ الْمُسْلِمِينَ عَهِدَهُمْ إِلَيْهِمْ ، بَلْ يُنَاجِزُونَ الْحَرْبَ عِنْدَ الْإِمْكَانِ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ نَقَضَتْ قُرَيْشٌ عَهْدَ الْحُدَيْبِيَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ بِمُظَاهَرَةِ بَكْرٍ عَلَى خُزَاعَةَ الَّذِينَ كَانُوا فِي ذِمَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ