ولا تحسب أنك تستطيع أن تشرد منه ؛ فهو سبحانه يقول: {مَلِكِ الناس} [الناس: 2]
أي: أنه يملك كل الخلق ، وجعل لهم الاختيار في أشياء ؛ ومنع عنهم الاختيار في أشياء ، ولم يقل:"مليك النَّاس"؛ لأن هذا القول يعني أنهم مجبورون على الإيمان ، ولا يسعهم غير هذا ، ولكن الله جعلهم مختارين في الأمور التي هي مَنَاط للتكليف ، وغير مختارين في أمور هي ليست محلاّ لهذا .
وأقول لأي واحد ممن تمرّدوا على الإيمان ؛ فكفروا بالله ؛ أقول: أنت متمرّد على الله ، وتكفر به ، وتنكر الألوهية ، فلماذا لا تكون منطقيّاً مع نفسك ، وتتمرّد على كل الأحداث التي تصيبك ، فإن أصابك مرض ؛ قل له: لا ، لن أمرض .
فلا أحد يستطيع أن يدفع عن نفسه قدراً شاءه الله ؛ لأن الأحداث ستنال من كل إنسان من كل إنسان ما قدره الله له .
إذن: فكل إنسان هو مملوك لله .
وهكذا نجد الفرق بين أن يقول سبحانه: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس} [الناس: 1]
وان يقول: {مَلِكِ الناس} [الناس: 2]
و"الناس"في الآية الأولى هم المربون ، والناس في الآية الثانية هم"المملوكون لله"فلا أحد يخرج عن قدرة الله في الأمور القهرية .
وتأتي"الناس"في الآية الثالثة: {إله الناس} [الناس: 3]
لتؤكد أن الحق هو الإله المعبود بحق ، وهو الذي يقيك مما ستأتي به الآية الرابعة: {مِن شَرِّ الوسواس الخناس} [الناس: 4]
والآية الخامسة: {الذي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ الناس} [الناس: 5]
والوسواس الخناس: هو الذي يزين لك أفعال الشر في أذنك ، وهو خَنّاس ؛ لأنه يخنس ساعة يسمع قولك:"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"وهو يوسوس في صدور الناس المُوَسْوَسِ إليهم .
وهكذا نجد أن كلمة"الناس"قد جاءت ؛ لتعبر عن المربوبين ، والمملوكين ، والمأهولين ، والموسوس إليهم ، وأن من يوسوِس قد يكون من الجن ، وقد يكون من الناس .