إذن: فليس هناك تكرار بل جاءت الكلمة الواحدة بمعنى يناسب كل موضع جاءت فيه .
والمثال في حياتنا - ولله المثل الأعلى - قد أكون معلِّماً متميزاً واختارتني الكلية التي أقوم بالتدريس فيها لأكون رائداً للطلاب ، ورئيساً لجمعيتهم الصحفية ، ومشرفاً عليهم في الرحلات ، ومراجعاً لتصحيح أوراق إجاباتهم ، وهكذا تكون كلمة"الطلاب"لها معنى مختلف في كل موقع .
والحق يقول في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {أَنْ أَنذِرِ الناس وَبَشِّرِ الذين آمنوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ...} [يونس: 2]
والحديث موجه لمحمد صلى الله عليه وسلم وهو الرسول الخاتم .
إذن: فالمراد بإنذار الناس هنا ؛ هم جميع الناس .
وما المقصود بقوله: {أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ} [يونس: 2]
إن القدم كما نعرفه: هو آلة السعي إلى الحركة ، كما أن اليد آلة الإعطاء ؛ فتقول: فلان له يد عندي ، أو تقول: أنا لا أنسى أياديك عليّ حين يقدم لك صديق هدية ما ، وهو قد سار على قدميه ؛ ليحضر لك الهدية ، ولكنه يناولك لها بيديه .
إذن: فكل جارحة لها ظاهر في الحركة ؛ وفي الأعمال . فالقدم تسعى إلى الأشياء ، واليد تتحرك في العطاء ، والأذن في السمع ، والعين في الرؤية . وهكذا يكون معنى {قَدَمَ صِدْقٍ} هو سابقة فضل ؛ لأنهم حين استمعوا إلى منهج الله ، وأدَّوْا مطلوبات هذا المنهج كما يحب الله ؛ فعليك يا محمد ان تبشرهم بالجنة . ذلك أن لهم سابق قدم ، سعي إلى الخير ، وهو قدم صدق .
لكن هل هناك ما يمكن أن نسميه"قدم كذب"؟
نعم ، وهو ما يخلعه الأفاقون على تواريخ الناس ، فيصفونهم بما لم يكن فيهم ، وهكذا نفرق بين قدم الصدق وقدم الكذب .
قدم الصدق - إذن - هو سابقة في الفضل أهّلتهم لأن يكونوا موضع البشارة ، فهم قد صدقوا المنهج ، وأعطوا من واعد حق .