{إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ}
مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما قال: {يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا} ضرب مثلاً عجيباً غريباً للحياة الدنيا تذكر من يبغي فيها على سرعة زوالها وانقضائها، وأنها بحال ما تعز وتسر، تضمحل ويؤول أمرها إلى الفناء.
وقال الزمخشري: هذا من التشبيه المركب، شبهت حال الدنيا في سرعة تقضها وانقراض نعيمها بعد الإقبال بحال نبات الأرض في جفافه وذهابه حطاماً بعدما التف وتكاثف وزين الأرض بخضرته ورفيفه انتهى.
وإنما هنا ليست للحصر لا وضعاً ولا استعمالاً، لأنه تعالى ضرب للحياة الدنيا أمثالاً غير هذا، والمثل هنا يحتمل أن يراد به الصفة، وأن يراد به القول السائر المشبه به حال الثاني بالأول.
والظاهر تشبيه صفة الحياة الدنيا بماء فيما يكون به، ويترتب عليه من الانتفاع ثم الانقطاع.
وقيل: شبهت الحياة الدنيا بالنبات على تلك الأوصاف، فيكون التقدير: كنبات ماء، فحذف المضاف.
وقيل: شبهت الحياة بحياة مقدرة على هذه الأوصاف، فيكون التقدير: كحياة قوم بماء أنزلناه من السماء.
قيل: ويقوي هذا قوله: وظن أهلها أنهم قادرون عليها.
والسماء إما أن يراد من السحاب، وإما أن يراد من جهة السماء، والظاهر أن النبات اختلط بالماء.
ومعنى الاختلاط: تشبثه به، وتلقفه إياه، وقبوله له، لأنه يجري له مجرى الغذاء، فتكون الباء للمصاحبة.
وكل مختلطين يصح في كل منهما أن يقال: اختلط بصاحبه، فلذلك فسره بعضهم بقوله: خالطه الماء وداخله، فغذّى كل جزء منه.
وقال الكرماني: فاختلط به اختلاط مجاورة، لأنّ الاختلاط تداخل الأشياء بعضها في بعض انتهى.
ولا يمتنع اختلاط النبات بالماء على سبيل التداخل، فلا تقول: إنه اختلاط مجاورة.