مثال ذلك: أنك تجد إنساناً وزنه مائة كيلو جرام ، ويمرض ؛ فيهزل وينقص وزنه إلى سبعين كيلو جراما ، ومعنى ذلك أن الثلاثين كيلو جراما الأخرى ذهبت إلى الأرض ، فلكل جسم قاعدة يقف عندها الوزن إلى سن معينة ، وتُعتبر هذه هي القاعدة التي يزيد فوقها الوزن ، أو يقل عنها حسب ظروف التغذية والصحة .
وأنت ترى الطفل يفرز أقل مما يتناول من الغذاء ؛ حتى ينمو ، ولو كان يُخرج إفرازات تساوي - في الكمية - ما يأكل ويشرب لَمَا كبر . ومن بعد ذلك يكبر إلى أن يصل إلى وزن ثابت تقريباً ، فتخرج منه إفرازات تساوي ما يدخل إليه ، ثم تأتي الشيخوخة فيخف الوزن ، وهذا يعني أن ما يخرج منه أكثر مما يدخل إليه ؛ فتنشأ النحافة .
وهَبْ أن طبيباً حاذقاً استطاع أن يعلم الداء الذي يسبب إصابة مريض ما بالهزال ، وأعطاه من الدواء ما جعله يسترد عافيته ، ومعها ما فُقد من الوزن ، وتتحسن تغذية هذا المريض أثناء فترة العلاج ، فهل تتغير شخصية هذا المريض؟ طبعاً لا ؛ لأن ما خرج منه أثناء الهزال ذهب إلى الأرض ، ثم استرد مثله من الأغذية أثناء الشفاء .
إذن: فلا تقل: إن هناك شيئاً نقص ، فعند الله كتاب حفيظ فيه مكونات كل الكون ، ويأتي بعناصر معينة ، ويأمرها ب"كن"فتكون إنساناً ، أو تكون كائناً آخر حسب مشيئة الله سبحانه .
وإذا كنا نتحدث الآن كيميائياً فنحن نتكلم بذلك ؛ ليثبت عقديّياً وعقليّاً ؛ لأننا آمنا بأن هناك منهجاً من المكلِّف ، والمنهج عُرْضة لأن يطاع أو يعصى ، ومَنْ يُطع الله في المنهج ، فهو يحدد حريته ، والذي لم يُطع الله واستسلم للضياع فهو الخاسر ؛ لأن منطق العقل يؤكد أن من يأخذ المنهج ويلتزم به ويكبح شهواته ؛ لا يمكن أن يستوي مع من عبث ، ولا بد أن يفترض منطق العقل أن يوجد بعث يجازي بالطيبات مَنْ سار على المنهج ، ويعاقب مَنْ خرج على المنهج .