ويعلِّلون ذلك بأنهم إن لم يَفعَلُوا يعجِّلون الانتقامَ منهم والتصرُّف فيهم بأنواعِ العقوبة، ويقولون: لهم ما يشاؤون؛ أي: لهم مطلَق التصرُّف في ملكِ اللهِ، بالعزلِ والتوليةِ، والقبضِ والبسطِ، والخفضِ والرفعِ، والقهرِ والتحكُّم في اللهِ؛ كما صرَّح بذلك الشَّعرانيُّ وغيرُه من هؤلاءِ الصوفية الوثنيين، ويقولون: فيهم شيءٌ لله، وحقيقتُها التي يوضِّحها ويصحِّحها عملُهم: فيهم شيءٌ من الله؛ إذ ترى في كتبِهم، وتسمع على ألسنتِهم: أنهم من نورِ اللهِ، وفاض عليهم نورُ الله، وهي بعينِها كلمةُ النصارى:"عيسى النورُ الأزلي المنبَثِق من اللهِ"، ولكنها في ثوبٍ جديدٍ؛ لترُوجَ على الغافلينَ الذين كذَّبوا بآياتِ الله، واتَّخذوها وراءهم ظِهْريًّا، وأَلقَوا بقلوبِهم وأسماعِهم وأبصارِهم إلى الشيطان مولاهم؛ فصدَّق عليهم ظنَّه، فاتَّبعوه.
وليس أدلَّ على ذلك مِمَّا ورَدَ في قولِ الله: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ * لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الزمر: 3، 4] ، على عقيدةِ الولدية عند هؤلاء المشركين.
ألا يدلُّ كلُّ ذلك - مع تدبُّر آياتِ الله وفقهِها على حقيقتِها - دلالةً واضحةً لا خفاءَ فيها على أن الشيطانَ قد كادَ للناسِ اليومَ كيدَه للوثنين، فأوحى إليهم عقيدةَ البنوَّة والوالدية للهِ بأسماءٍ جديدةٍ، كشأنِه في كلِّ ما يُوَسْوِس به ويَكِيد لعدوِّه الإنسانِ، وأنه ركب الصوفية إلى غرضِه هذا كما ركبها في وَثَنِيِّ الهندِ والفُرسِ واليونان سواء بسواء.