وجملة هذه الهداية المضافة إلى غير الله من سائر أوليائه، إنّما هي معنى الدعوة إلى الإيمان والتزيين له والإرشاد إليه والتنبيه على مواضع الهداية عليه، والترغيب في فعله والتحذير من تركه، فأمّا أن يكون لأحد منهم سلطان على فعل في القلوب وشرح الصدور وخلق القدر والألطاف وتقليب القلوب والأبصار وصرفها والحيلولة بين المرء وقلبه، فإنّ ذلك غير
جائز على قول أحد من الأمّة، وممّا قد قامت الأدلّة على بطلانه وكذب كلّ من ادّعى ذلك لنفسه من الخلق أو لغيره من الخلق، ولو كان إلى الأنبياء والمؤمنين هداية الخلق بما يهديهم إليه سبحانه به ليهدوا الناس أجمعين ومن آثروا إيمانه وكرهوا إضلاله.
وكيف يكون ذلك كذلك والله تعالى يقول لرسوله: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [القصص: 56] ، وقال له: أفتراه إنّك لا تأمر من أحببت ولا تدعوه إلى كلمة الحقّ ولا تزين له الصواب، ولا ترغب وترهّب مع إخباره عنه بأنّه موضع لرسالته، والأداء عنه؟ هذا ممّا لا يقوله مسلم ولا ملحد لأنّ الكلّ قد اتّفقوا على أنّه عليه السلام بيّن وأنذر وحذّر، وإنّما قال له: «إنّك لا تهدي من أحببت» ، أي ليس إليك هدايته بشرح الصدور وتوسعته وتطهير القلب، وخلق الإيمان فيه وتسهيله عليه ولذلك روي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: «بعثت داعيا ومبلغا، وليس إليّ من الهدى شيء ، وخلق إبليس مزيّنا وليس له من الإضلال شيء » ، وقد ورد القرآن بتصديق هذا في قوله: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وقوله: وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [النور: 54] ، وقوله: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ} [البقرة: 272] ، وقوله: {وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} [الكهف: 56] ، وقوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (45) وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً (46) } [الأحزاب: 45 - 46] ، في أمثال هذا ممّا خبّر فيه أنّ الهداية إليه وحده وليس يجوز أن يكون إليه وحده ما هو مشترك بينه وبين خلقه.